فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
كان مطبقا للسنة فيجيب الدعوة في المناسبات المشروعة مثل الزواج والختان , وكان في حضوره ملاطفا للناس , متواضعا , لكن كان أمّارا بالمعروف, نهّاءً عن المنكر , يقوم السلوك , ويزيل المنكر , فإن لم يمكنه انصرف! وكان ربما بذل شيئا من المال؛ لإدخال السرور.
قال بكر رحمه الله: إن أعظم صفة أخذت بمجامع قلبي , هي ما أفاض به مترجموه رحمه الله تعالى في أخبار تعبده , وزهده , وتألهه , وقراءته القرآن , وورعه , مما لا ينقضي منه العجب , لكنها المعونة الربانية, والعناية الإلهية , وهي بحق تقضي له الإمامة في العلم والدين , إذ العالم لا يكون عالما حتى يكون عاملا , تقبل الله منا ومنه , آمين.
كان من هديه: أنه لا يظهر النسك , وكثيرا ما يقول: اللهم سلم, سلم. ولم تكن الدنيا جارية على لسانه , وكان يعد إظهار المحبرة من الرياء!
يقول الإمام أحمد: ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به, حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا فأعطيت الحجام دينارا حين احتجمت!
كان يحب العزلة, يقول ابنه عبدالله: كان أصبر الناس على الوحدة , وبِشْرٌ لم يكن يصبر على الوحدة , كان يخرج إلى ذا وإلى ذا.
وكان يقول: أشتهي مكانا لا يكون فيه أحد من الناس! ويقول: الخلوة أروح لقلبي!
قال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبدالله إذا مشى في الطريق , يكره أن يتبعه أحد!
قال بكر رحمه الله: فليعتبر من إذا مشى معه من لا يفرح به , أو احتوشه بعض الطلاب , ضاقت الطريق به؟
ويقول عيسى بن محمد الرملي: عن الدنيا ما كان أصبره , وبالماضين ما كان أشبهه , وبالصالحين ما كان ألحقه , عرضت له الدنيا فأباها , والبدع فنفاها!
كان يكره الشهرة وطلب المناصب والرئاسة وله في ذلك الأخبار المشهورة.
قال بكر رحمه الله بعد ذكر أحد أخباره: فما بالنا نبذل النفس , والنفيس , ونغض الطرف عن أمر بمعروف , أو نهي عن منكر , متربصين شيئا من ذلك , ثم لا نكتفي بهذا الإثم بل نزيده إثما بتخريجه فقها؛ ليفيد شرعيته؛ ولهذا نزلت القيمة بنزول القيم , وارتفع أهل الأهواء , والماديون , والسَّفل!
كان لا يملك الكثير من المال لكنه ملك القناعة والعفة فضبط نفسه وعلت همته!
وما أجمل ما قاله مصعب بن عبدالله الزبيري:
ومن في ورع أحمد؟ يرتفع على جواز السلطان , حتى يُظن أنه الكِبر , ويكري نفسه مع الحمالين , حتى يظن أنه الذل , ويقطع نفسه عن مباشرة عامة الناس وغشيان خاصتهم أنسا بالوحدة , فلا يراه الرائي إلا في مسجد , أو عيادة مريض , أو حضور جنازة , ولم يقض لنفسه بعض ما قضيناه من شهوات!
** طلبه للعلم **
تربى الإمام أحمد على يد امرأة صالحة , ألا وهي أمه الكريمة التي آثرت البقاء عليه والتفرغ له , فأعقبها الله جل جلاله بأن جعل ابنها ووحيدها , فريد عصره , وأخلد ذكره إلى يوم النشور!
قدمت به أمه دار السلام بغداد وكانت آنذاك بلد العلم والعلماء فرعته وربته حتى توفي الإمام مالك رحمه الله وحماد بن زيد , فبدأ بطلب علم الحديث, وكان أول سماعه من هُشيم بن بشير الواسطي ولازمه حتى توفي سنة 183 هـ
وكان أول من كتب أحمدُ عنه الحديثَ: هو أبو يوسف!
يعد الإمام أحمد أول من اشتهر بالرحالات لطلب الحديث , فقد رحل من بغداد إلى الكوفة , والبصرة , وإلى عبادان , وإلى الجزيرة , وإلى واسط , وإلى الحرمين الشريفين: مكة والمدينة , ورحل ماشيا إلى صنعاء اليمن , وإلى طرسوس مرابطا وغازيا , وإلى الشام.
وربما منعه من السفر خوف والدته وقلة ذات يده , وأول سفره كان إلى الكوفة بعد وفاة شيخه هُشيم , وأخذ العلم عن وكيع , ثم عاد إلى أمه بسبب حمى أصابته!
وأخذ في طريقه إلى مكة لأداء فريضة الحج عن يزيد بن هارون , وفي الحجاز أخذ عن ابن عيينة والشافعي , وأخذ عن عبدالرزاق بن همام محدث اليمن وعن إبراهيم بن عقيل!
كان لأحمد بن حنبل شيوخ كثر , منهم في المسند ما يزيد عن 280 شيخا كما ذكر الذهبي رحمه الله.
يقول الإمام أحمد عن شيخه هُشيم: وكان هشيم كثير التسبيح , ولازمته أربعة , أو خمسة أعوام, ما سألته عن شيء هيبة إلا مرتين , في الوتر , ومسألة أخرى عن أشعث!
(يُتْبَعُ)