فهرس الكتاب

الصفحة 6454 من 20085

(( وأما المجهولون من الرواة فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أواسطهم احتمل حديثه، وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول ومن ركاكة الألفاظ .. وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين فسائغ رواية خبره، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي عنه وتحريه وعدم ذلك، وإن كان المجهول من أتباع التابعين فمن بعدهم فهو أضعف لخبره سيما إذا انفرد به .. ) )اهـ.

وناهيك بمن يروي عنه عكرمة ونافع ويزيد ابن الهاد وأشباههم، فرد هذا الخبر ـ عند من رده لا يسوغ أن يكون لعلة الترك أي ليس لكونه ضعيفا ضعفا لا ينجبر ـ كما قيل ـ بل لقرائن مجتمعة، تفهم مما ذكرناه.

فهذه الأحكام منصبة على طرق هذه الرواية، وسيأتي ما يتعلق بالمتن.

ثانيا: (بحث متن القصة) :

قد تقدم ما يتعلق بالإسناد، ورأينا أنه لا يصح سند واحد لهذه القصة، وغاية ما يقال أن الأحداث المشتركة في الطرق الست لهذه القصة يشهد بعضها لبعض فيرتقي الإسناد إلى الحسن لغيره، فلو قال قائل هذا لم يكن قوله عندي ببعيد، ولكن هناك إشكالات وردت على المتن لا بد من التعرض لها، فإن عجزنا عن الجواب لم يكن بد من نكارة القصة أو شذوذها:

(الاعتراض الأول) :

هذه القصة فيها ـ من جهة الظاهر ـ ما يضع من قدر صحابي رفيع المقام، وذلك أن عبدالله بن رواحة من أجلاء الصحابة، ومن كبارهم ممن جاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وقاد المسلمين في مؤتة حتى استشهد، ومثله لا يليق صدور ذلك منه بحال، إذ كيف يتصور أن مثله يوهم زوجه بأن شعره من كلام الله تعالى؟؟!!، رأيت هذا الاستشكال لفضيلة العلامة محمد زاهد بن الحسن الكوثري إذ قال في تكلمة النونية ص143:

(( وأفعال الصحابة كلها جد، وجل مقدار مثل هذا الصحابي عن أن يوهم صحابية أنه يتلو القرآن بإنشاده الشعر لها .. ) )اهـ.

كما رأيته لمحقق العلو للمقدسي ـ طبعة الدار السلفية ـ قال: (( ومتن القصة منكر، إذ كيف يوهم هذا الصحابي الجليل زوجه بأنه قد قرأ عليها قرآنا؟ فكان عليه أن يجيبها بشيء آخر، والله أعلم ) )اهـ.

ونقل هذا المحقق عن المعلق على العلو طبعة المنار قوله: (( لا شك عندي في أن هذه المسألة موضوعة، فإن صحابيا جليلا لا يكذب عمدا، ويلبس القرآن ) )اهـ.

الجواب:

يمكن أن يجاب بأنه رضي الله عنه لم يسبق له توجيه من النبي صلى الله عليه وسلم بخصوص هذا الخطأ الذي وقع له، وإنما يلزم يقبح هذا لو كان النبي قد حذرهم من هذا ونهاهم من قبل، ولا دليل على هذا، بل لابد من وقوعهم في الخطأ ليعلمهم النبي الصواب كما حصل في رفع الصوت بحضرته وقصة مهاجر أم قيس وقصة قتل أسامة لمن شهد أن لا إله إلا الله وهكذا، وقد يجوز أن عبدالله بن رواحة لما علم بإباحة الكذب على الزوج بنية الصلح ظن هذا الجواز على إطلاقه بحيث يتناول مثل هذا الصنيع منه، ويجاب أيضا بأنه قد يجوز أن يكون أدرك أنه ارتكب محرما ـ وهو غير معصوم قطعا ـ ولهذا أخبر النبي من خوفه ووجله فطمأنه النبي بمغفرة زلته لحسن مقصده.

(الاعتراض الثاني) :

كيف يرتكب هذا الخداع والتدليس ليفر من الاعتراف بشيء حلال مباح؟؟!!.

والجواب:

أن الكذب على الزوجة من أجل الإصلاح لا يدخل في الوعيد على الكذب المذموم، وقدمنا أنه قد يكون معذورا لعدم علمه، ولهذا ذهب إلى النبي وأخبره بما كان منه.

(الاعتراض الثالث) :

كيف يتصور أن امرأة عربية من ذلك الجيل لا تفرق بين الشعر والقرآن؟؟!!.

الجواب:

هذا الإشكال لم أجد جوابا مقنعا عليه، ولن يخلو الجواب عليه من تكلف وتعسف، إذ يبعد كل البعد أن يشتبه القرآن على امرأة عربية زوج لشاعر كبير، والاعتذار بأنها لا تحفظ القرآن لا يصلح، ومثل هذا الإشكال يصعب دفعه عندي، ولو تصورنا أن المجتمع العربي ذلك الوقت كان غير قادر على التفريق بين الشعر والقرآن كهذه المرأة لكان ذلك من أعظم حجج أهل الإلحاد والزندقة، وهذا ما قام الإجماع والأدلة والبراهين على بطلانه.

(الاعتراض الرابع) :

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت