فهرس الكتاب

الصفحة 6455 من 20085

كيف يعقل أن الله تعالى يقول مثل هذه العبارات: (أتانا رسول الله) !! (كتابه) !! (فقلوبنا به موقنات) !! أفيجوز في عقل عاقل من هذا الجيل أن يكون الله هو قائل هذا؟؟!! اللهم لا، فكيف يجوز ذلك في فهم امرأة عربية فصيحة من جيل فجر الإسلام، وزوج صحابي جليل شاعر من فصحاء العرب؟؟!!.

الجواب:

أقول: هذا الإشكال أيضا كسابقه يصعب دفعه، لأن الأبيات في كل صورها تحمل ألفاظا لا يتصور العربي الفصيح صدورها من الله، لأن الله لا يجوز أن يقول تلك الألفاظ، فكيف جوزت زوج ابن رواحة أن يكون هذا من كلام الله؟؟!! ولو جاز اشتباه ذلك على امرأة عربية من ذلك الجيل لجر هذا لنتائج خطيرة، ولعل هذا مما لا يشتبه على نساء هذا الجيل فكيف بذاك؟؟!! ولم أجد ما أدفع به هذا الإشكال أيضا، ويصعب أن نتصور القصة دون الأبيات الشعرية فيها.

(الاعتراض الخامس) :

إن عبدالله بن رواحة قد قال لها: ما رأيتني!! وهذا كذب لأنها رأته.

الجواب:

هذا يمكن دفعه بما تقدم من أن عبدالله بن رواحة لم يكن يعلم حكم هذا الفعل فمشى على البراءة الأصلية، أو لعله كان يعلم أن الكذب من أجل الإصلاح سائغ، أو لعله عنى ما رأيتني من رآه إذا ضربه على رئته لا من الرؤية البصرية تورية، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.

(الاعتراض السادس) :

ثم هي تقول: آمنت بالله وكذبت بصري!! فكيف سكت عنها وقد صدقت أن شعره هو كلام الله!! أم كيف كذبت ما رأته بعينها وهو يقين!! وما نعلم أن مذهبا كذب البصر إلا السوفسطائية الذين لا يدرون إذا نظروا إلى أحدهم أحمار هو أم إنسان أم جماد!!!.

الجواب:

يمكن الجواب بأن سكوته لعله لأنه لم يعرف الحكم كما قدمنا فظن أن مثل هذه الحيلة جائزة ثم علم عدم جوازها من النبي، أو لعله فرع على جواز الكذب بنية الإصلاح جواز السكوت أيضا على اعتقاد الخطأ، أما تكذيبها البصر فيمكن حمله على أنها ظنته إياه ولم تتحققه جيدا، والظن الغالب قد يندفع بمثله أو بما هو أقوى منه فلا تكون رؤيتها رؤية تحقق وإدراك تام، لا سيما إذا كان ذلك بالليل، فلا يكون تكذيبها لرؤيتها ورجوعها عن شيء هو متيقن عندها، بل لما هو مظنون فقط لورود ما هو أقوى منه عندها.

(الاعتراض السادس) :

كيف يضحك النبي صلى الله عليه وسلم ـ ورضاه إقرار!! ـ من هذا الفعل!! وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه: (( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) )!! هذا فيمن كذب عليه هو صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن كذب على الله؟؟!! والله تعالى يقول في ذم الكفار: (( ويقولون هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) )

ويقول تعالى: (( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب .. ) ).. وتلخيص هذا الاعتراض في كلام الأستاذ الكوثري في التكملة حيث قال:

(( وإيهام كون الشعر من القرآن ليس مما يقر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فمتن الخبر نفسه يدل على البطلان .. ) )اهـ.

الجواب:

هذا الضحك لا يدل على الإقرار بل على استظراف هذه الحيلة الدالة على الذكاء فقط، ولهذا ذكرها ابن الجوزي في كتاب الأذكياء، فقد يجتمع الضحك والاستنكار معا، كما ضحك النبي من اليهودي في خبر الأصابع، وكما ضحك النبي من الذي أتى امرأته في نهار رمضان وكما ضحك من اعتقاد عائشة لحصان له جناحان ونحو ذلك، وليس في القصة أن النبي أقره على هذا بل في طريق اليزيدي ـ مثل سير النبلاء ـ أن النبي لم (يغير عليه) كذا بالياء المثاة تحت، ولعله (لم يغبر عليه) من الاغبرار وهو تغير اللون، أي لم يشدد، ومعناه أنه أنكر عليه هذا وعلمه عدم جوازه غير معنف له ولا ساخط عليه، لأنه كان حسن النية، والجاهل يتلطف به ويعلم، وما كان الرفق في شيء إلا زانه.

(الاعتراض السابع) :

ورود لفظ (فوق العرش) !!.

الجواب:

الأبيات الواردة في القصة مضطربة فهي لم تتفق على هذا اللفظ كما مر، وعلى فرض صحة ورود هذا اللفظ فلا إشكال أيضا في استعماله لأن الإشكال إنما هو في حمله على ظاهره المحسوس لنا، وليس هذا مما يحمل على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، بل يفوض علمه إلى الله، أو يؤول تأويلا صحيحا، ومن ألطف تأويلاته ما نقله الإمام تاج الدين السبكي في الطبقات 1/ 139 عن الإمام الرافعي الفقيه الكبير واستحسنه فقال:

(( ما أحسن قول الإمام الرافعي في كتاب الأمالي وقد أورد هذه الأبيات: هذه الفوقية فوقية العظمة والاستغناء، في مقابلة صفة الموسومين بصفة العجز والفناء ) )اهـ.

الخلاصة:

تبين من خلال ما تقدم أن طرق القصة قد يقال فيها بأنها ترتقي إلى الحسن لغيره، أو على الأقل ترقى عن الإنكار بذلك التعدد، ولكن تبقى متقاصرة عن درجة الحجة لا سيما مع ورود الإشكالات على المتن، ولا يخلو الجواب عن بعضها من تكلف، وفي الجملة أميل إلى أن هذه القصة قد حصلت على نحو ما ليس بالضرورة أن يتطابق كل التطابق مع سياق هذه المقاطيع هنا، لكني لا أستطيع أن أقول بأنها صالحة للاحتجاج في شيء من أبواب العقد والحلال والحرام، هذا والله أعلم، وصلى والله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت