فهرس الكتاب

الصفحة 6538 من 20085

قال الله تعالى (ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا) الآية المتضمنة خبره فوصف هذه الجملة من أحواله في تقلبه وانتقاله ومنتهى مسيره في الشرق ظاعنا وغاية مبلغه من الغرب واغلا ودل على عظم ملكه وشدة وطئته وعلو كلمته وانبساط قدرته بما عد من آثاره وقص علينا من أخباره وأكد ذلك وحققه بقوله تعالى (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سبببا)

وحسبك بمن شهد الله له بالتمكين والاقتدار وناهيك بمن آتاه الله جوامع الأسباب ووطأ له أباعد الأقطار

وقد روى في تفسير هذه الآية أن المشركين من قريش أوفدوا وفدا إلى يهود يثرب يستمدونهم مسائل يمتحنون بها النبى واعتمدوا من المسائل على قصص الأنبياء وأخبار الملوك لعلمهم بأنه لاحظ للعقل والذكاء وحدة الفطنة وقوة الفكر وتمثيل الاعتبار والمقايسة وإنعام النظر والتأمل في استدراك خبر تقدم زمانه بساعة بل سبق وقته بلحظة وإنما هى أمور تؤخذ رواية وسماعا وتدرك قراءة وكتابة وقد رأوه ولد بمكة في أمة أمية وبين قبائل جاهلية فعرفوه طفلا رضيعا وناشئا ويافعا وشاهدوه غلاما ومجتمعا وكهلا ومحتنكا يدرج بين ابياتهم ويتصرف نصب ألحاظهم ويتكلم بما عرفوه من ألفاظهم وأن هذه أحوال تحجز بينه وبين التهمة وتباعده عن مواقع الظنة وتحقق عند من له من العقل بلغة وفيه من التحصيل مسكة أنه عرف ذلك على حقه وأخبر عما علمت الرواة من غيبه فإنما تلقاه عن الله وحيا أو ألقاه الملك في ورعه نفثا وذلك علامة النبوة التى لا تجهل وأمارة الرسالة التى لا تنكر فزودتهم يهود يثرب بمسائل منها خبر رجل صار مشرقا حتى بلغ مطلع الشمس حيث تبزغ وتوجه مغربا حتى بلغ مغربها حيث تجب وتسقط هكذا ذكره الرواة وإنما المراد بها منتهى العمارة من طرفى الأرض

وسألوه عن قصة يوسف وعن فتية أووا إلى كهف فاميتوا ثم أحيوا فأتاه الجواب من قبل الله تعالى في كل ذلك بما أقام به علم صدقه ورد الكائد بأخيب ظنه

وقد روى المفسرون والقصاص في تأويل هذه الآيات أخبارا لم نجد في نقلها طائلا إذ كانت النفس لا تثق بخبرهم ولا تسكن إلى صحة نقلهم وكان اختلافهم يدل على اختلاطهم وهىعلى ذلك مشهورة يمكن أخذها عن قرب وقد روى المحدثون عن النبى أنه قال (لا أدرى أذو القرنين كان نبيا أم لا) \ ح \

ورووا عنه أنه ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين وأما الكافران فنمرود وبخت نصر

ورووا عن على وقد سئل عن ذى القرنين فقال ذلك الملك الأمرط بلغ قرن الشمس من مطلعها وقرنها من مغربها

وعن عمر رضى الله عنه أنه سمع رجلا ينادى يا ذا القرنين فقال فرعتم من أسماء الأنبياء وارتفعتم إلى أسماء الملائكة فتناوله قوم وزعموا ان ذا القرنين كان من نتاج ما بين الملائكة والإنس وأن أباه عبرى ملك أهبط إلى الأرض فسلخ جناحه وأعيد في صورة ولد ابن آدم فنكح امرأة من الآدميات تدعى قيرى فأولدها ذا القرنين وقد أدعوا مثل ذلك في هاروت وماروت وأبى جرهم وهى من حماقات العوام غير مستنكر

وروى عن الحسن أنه قال كان له غديرتان من شعر وعليهما سمى ذا القرنين

وعن محمد بن على بن الحسين رضى الله عنهم أنه قال الأنبياء الملوك أربعة يوسف ملك مصر وداود وسليمان ملكا ما بين الشام إلى إصطخر وذو القرنين ملك ما بين المغرب والمشرق

وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال حج ذو القرنين فلقى إبراهيم وهذا يدل على تقادم عهده

وقد روى من جهات كثيرة أن ذا القرنين كان في زمن إبراهيم عليه السلام في عصر أفريدون وتلك تواريخ لا يوثق بها والذى نقل إلينا في التواريخ اليونانية والسريانية وهى أقرب إلى الثقة يقتضى أن بينهما زمانا طويلا يزيد على ألف سنة

وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه أن ذا القرنين هو عبد الله ابن الضحاك وهذه رواية مهجورة لا يلتفت العقلاء إليها ولسنا ننكر أن عبد الله بن الضحاك هذا يدعى ذا القرنين فهو اسم مشترك ولقب منقول وقد سمى أحد ملوك الحيرة من بنى نصر ذا القرنين لضفيرتين من شعركانتا له وهو المنذر بن ماء السماء وفى ملوك حمير ملكان كانا يدعى كل واحد منهما ذا القرنين وإنما ننكر أن يكون ملكا سلطانا إذ كنا نجد أخبار الأمم تكذبه وكان هذا الأمر البين لا يخمل فيخفى على العرب شأنه وهى ألهج أمة بحفظ المآثر وأحرصها على إحصاء المفاخر

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت