فهرس الكتاب

الصفحة 6711 من 20085

فالأول خطؤه مغفور، وله أجر على اجتهاده، والثاني لا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة، وبما فيه شر أعظم من ظلمه، بل المظلوم مأمور ها هنا بالصبر، فإن ذلك في حقه محنة وفتنة.

وقد قال ابن تيمية: (وأمور القلوب لها أسباب كثيرة ولا يعرف كل أحد حال غيره من أيذاء له بقول أو فعل، قد يحسب المؤذَى _ إذا كان مظلوما لا ريب فيه _ أن ذلك المؤذِي محض باغ عليه، ويحسب أنه يدفع ظلمه بكل ممكن، ويكون مخطئا في هذين الأصلين ... ) .

وهنا مثال قريب ذكرت طرفه أخي أبا فهر وهو ما نقلته عن ابن تيمية، قال: ( ... وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَةٌ. وَأَنَا كُنْت مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَأَزَلْت عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْوَحْشَةِ ... ) .

وهذا اجتهاد ابن تيمية في وصف خلافه معهم.

والذهبي يقول في ترجمته:( .... بشر من البشر، تعتريه حدة في البحث وغضب، وشظف للخصم، تزرع له عداوة في النفوس، ونفورا عنه، وإلا والله فلو لاطف الخصوم ورفق بهم ولزم المجاملة وحسن المكالمة لكان كلمة إجماع، فإن كبارهم وإئمتهم خاضعون لعلومه وفقهه، معترفون بشفوفه وذكائه، مقرون بندور خطئه، لست أعني بعض العلماء الذين شعارهم وهجيراهم الاستخفاف به والازدراء بفضله والمقت له، حتى استجهلوه وكفره ونالوا منه، من غير أن ينظروا في تصانيفه، ولا فهموا كلامه، ولا لهم حظ تام من التوسع في المعارف، والعالم منهم قد ينصفه ويرد عليه بعلم، وطريق العقل السكوت عما شجر بين الأقران، رحم الله الجميع.

وأنا أقل من أن ينبه على قدره كلمي أو أن يوضح نبأه قلمي، فأصحابه وأعداؤه خاضعون لعلمه، مقرون بسرعة فهمه، وأنه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، وأن جوده حاتمي، وشجاعته خالدية، ولكن قد ينقمون عليه أخلاقا وأفعالا، منصفهم فيها مأجور، ومقتصدهم فيها معذور، وظالمهم فيها مأزور، وغاليهم مغرور، وإلى الله ترجع الأمور .... ).

فهذا الكلام من الذهبي فيه أولا ما سلف من التنبيه على أن المتكلم في الأشخاص قد يكون متأولا مجتهدا معذورا، وفيه ثانيا اجتهاده في وصف صنيع ابن تيمية مع مخالفيه، هذا الوصف الذي يخالف وصف ابن تيمية عن نفسه.

وهكذا غيرهما فكثير من أهل العلم ممن يوصف بأنه مفرق أو صاحب فتنة بكلامه في الناس، وأنه لا يحرص على هداية المخالفين له، مع بغيه عليهم وإهداره حسناتهم، ويكون في اجتهاد نفسه: (وأنا من أحرص الناس على ائتلاف القلوب، ومن أرغب الناس في هداية الناس ... ) .

يتبع ...

ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [06 - Apr-2010, مساء 07:47] ـ

وإليك أحسن الله ..

ـ [أبو الحسن الرفاتي] ــــــــ [07 - Apr-2010, صباحًا 11:24] ـ

جزيت خيرًا

ـ [أيمن علي صالح] ــــــــ [09 - Apr-2010, صباحًا 11:34] ـ

هذا من أفضل ما قرأت في هذا الباب، بارك الله فيك، وإن كان حال كثير من المشتغلين بالعلوم الشرعية هذه الأيام على غير هذا، تراهم يصلون في المسجد نفسه أو يدرسون في الجامعة نفسها وفي القاعة نفسها، ولكن في قلوبهم من الكراهية لبعضهم ما يفوق كراهيتهم لليهود. وكل هذا منشأه الغرور والاعتداد بالنفس والرأي وتسفيه رأي المخالف واحتكار الحقيقة. وهذا أكثره عند المبتدئين، فإذا تعمق الإنسان في العلم، وكان على صدق ويقين وإخلاص في طلبه، واطلع على مسائل الخلاف واجتهادات العلماء وتباينها، واستدلالاتهم وتنوعها، اتسع صدره للمخالف، وقلل من زعم الصواب في أكثر المسائل الاجتهادية مما لا قطع فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت