فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قُلتُ: مَنْ هَذِهِ حَالُهُ، فَصَلاتُهُ بَاطِلَةٌ بالإجْمَاعِ، لأنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا قَادِرًا عَلَيْهِ شَرْعًا وطَبْعًا، وتَكَلَّفَ رُكْنًا هُوَ مَعْذُوْرٌ فِيْهِ شَرْعًا! وذَلِكَ لكَوْنِهِ قَدْ تَرَكَ كَثِيرًا مِنْ أرْكَانِ الصَّلاةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا: وهِيَ السُّجُوْدُ، والجَلسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، والجُلُوْسُ للتَّشَهُّدِ وغَيْرَهَا. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ? في الصَّحِيْحَيْن أنَّهُ صَلَّى جَالِسًا حِيْنَما سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، ولم يَتَكَلَّفْ حِيْنَهَا الصَّلاةَ على الكُرْسِي!
كَمَا أنَّهُ بصَلاتِهِ على الكُرْسِي قَدْ خَالَفَ تَسْوِيَةَ الصُّفُوْفِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ تَقَدُّمِهِ أو تَأخُّرِهِ على أهْلِ الصَّفِ، سَوَاءٌ بصَدْرِهِ أو برِجْلِهِ، وكِلاهُمَا فِيْهِ مُخالَفَةٌ شَرْعِيَّةٌ، لقَوْلِهِ ? عِنْدَمَا رَأى رَجُلًا باديًا صَدْرُهُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوْفَكُم؛ أو لَيُخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجُوْهِكِم» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ثم إنَّ العِبْرَةَ في تَسْوِيَةِ الصُّفُوْفِ: هِي اصْطِفَافُ الأقْدَامِ، وتَسْوِيَتُهَا بمُحَاذَاةِ الأكْعُبِ، لا بتَسْوِيَةِ أطْرَافِ الأصَابعِ، كَما هُوَ فِعْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُصَلِّيْنَ، أمَّا مَنْ جَازَ لَهُ الصَّلاةُ على الكَرَاسِي فالعِبرَةُ بتَسْوِيَةِ الصَّدْرِ والمَنْكِبِ مَعَ المُصَلِّيْنَ، كَما هُوَ ظَاهِرُ السُّنَّةِ، وحَالُ جُلُوسِنَا في الصَّلاةِ.
لِذَا؛ كَان وَاجِبًا على مَنْ هَذِهِ حَالهُ أنْ يُصَلِّيَ الصَّلاةَ بحَسَبِ الاسْتِطَاعَةِ والقُدْرَةِ، فَكُلُّ رُكْنٍ يَسْتَطِيْعُهُ أتَى بِهِ، ومَا لا يَسْتَطِيْعُهُ فَهُوَ مَعْذُوْرٌ فِيْهِ شَرْعًا!
الصُّوْرَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ يَعْجَزُ عَنِ السُّجُوْدِ فَقَطُ، بحُجَّةِ أنَّ في سُجُوْدِهِ ضَرَرًا يَشُقُّ عَلَيْهِ.
فمَنْ هَذِهِ حَالُهُ؛ فَصلاتُهُ بِاطِلَةٌ اتِّفَاقًا، لأنَّهُ تَرَكَ رُكْنَ القِيَامِ والرُّكُوْعِ والجُلُوْسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ والجُلُوْسِ للتَّشَهُّدِ!
لِذَا كَانَ عَلَيْهِ شَرْعًا؛ أنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا؛ حَتَّى إذَا أرَادَ السُّجُوْدَ جَلَسَ على الأرْضِ، ثُمَّ أوْمَأ للسُّجُوْدِ برَأسِهِ، وهَكَذَا يَفْعَلُ في جَمِيْعِ صَلاتِهِ.
الصُّوْرَةُ الثَّالِثَةُ: مَنْ يَعْجَزُ عَنِ الجُلُوْسِ رَأسًا، بحُجَّةِ أنَّ في جُلُوْسِهِ ضَرَرًا، يَشُقُّ عَلَيْهِ.
فَهَذا أيْضًا صلاتُهُ بِاطِلَةٌ اتِّفَاقًا، لأنَّهُ تَرَكَ رُكْنَ القِيَامِ والرُّكُوْعِ، لِذَا كَانَ عَلَيْهِ شَرْعًا؛ أنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا؛ حَتَّى إذَا أرَادَ السُّجُوْدَ جَلَسَ على الكُرْسِي أخْذًا باسْتِشَارَةِ الطَّبِيْبِ الثِّقَةِ، لقَوْلِهِ تَعَالى: «فَاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُوْنَ» (الأنبياء:7) ، وأوْمَأ عِنْدَ السُّجُوْدِ برَأسِهِ، وهَكَذَا في جَمِيْعِ صَلاتِهِ.
الصُّوْرَةُ الرَّابِعَةُ: مَنْ يُصَلِّي مُتَوكِّئًا على العَصَا؛ حَتَّى إذَا أرَادَ الرُّكُوْعَ أو السُّجُوْدَ صَلَّى على الكُرْسِي!
فَمَنْ هَذِهِ حَالُهُ؛ فَصَلاتُهُ غَيرُ صَحِيْحَةٍ، لأنَّهُ تَرَكَ رُكْنَ الرُّكُوْعِ والسُّجُوْدِ والجُلُوْسِ عَمْدًا، لِذَا كَانَ عَلَيْهِ شْرَعًا: أنْ يُصَلِّيَ مُتَوَكِّئً على العَصَا حَالَ قِيَامِهِ ورُكُوْعِهِ وُجُوْبًا، دُوْنَ الجُلُوْسِ على الكُرْسِي، حَتَّى إذَا أرَادَ السُّجُوْدَ جَلَسَ على الأرْضِ وسَجَدَ، وهَكَذَا يَفْعَلُ في صَلاتِهِ.
وأمَّا بُطْلانُ صَلاةِ أهْلِ الكَرَاسِي ممَّن جَاءَ ذِكْرُهُم في الصُّوَرِ الأرْبَعِ؛ فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ على كَوْنِ المُصَلِّي مِنْهُم: عَالمًا ذَاكِرًا مُخْتَارًا في صَلاتِهِ، وإلَّا فَصَلاتُهُم صَحِيْحَةٌ بعُذْرِ الجَهْلِ أو النِّسْيَانِ أو الإكْرَاهِ.
أمَّا الصُّوَرُ الَّتِي تَصِحُّ فِيْهَا الصَّلاةُ على الكَرَاسِي، فَهِي صُوْرَتَانِ:
الأوْلى: مَنْ ضَعُفَتْ قُوَاهُ عَنْ حَمْلِهِ قَائًما وجَالِسًا على حَدٍّ سَوَاء، وهُوَ أشْبَهُ اليَوْمَ بحَالِ مَرْضَى العِظَامِ، أو بالمُصَابِيْنَ بالشَّلَلِ، أو غَيرَهُم ممَّنْ يعَجَزُوْنَ عَنِ القِيَامِ والجُلُوْسِ، فمَنْ هَذِهِ حَالهُم؛ فَعَلَيْهِم شَرْعًا أنْ يُصَلُّوا على الكَرَاسِي ابْتِدَاءً، ويُومِئُوْنَ برُؤوْسِهِم عِنْدَ الرُّكُوْعِ والسُّجُوْدِ، ومَنْ كَانَ مِنْهُم لا يَسْتَطِيْعُ الإيْماءَ برَأسِهِ، نَوَى بقَلْبِهِ عِنْدَ كُلِّ رُكْنٍ.
الثَّانِيَةُ: مَنْ كَانَ يعَجَزُ عَنِ الجُلُوْسِ فَقَطُ، لخَوْفِ مَرْضٍ، أو لرَجَاءِ بُرْءٍ بَعْدَ اسْتِشَارَةِ طَبِيْبٍ ثِقَةٍ، فمِثْلُ هَذَا عَلَيْهِ شَرْعًا أنْ يُصَلِّيَ قَائمًا ورَاكِعًا؛ حَتَّى إذَا أرَادَ السُّجُوْدَ جَلَسَ على الكُرْسِي، وأوْمَأ برَأسِهِ بِنِيَّةِ السُّجُوْدِ، ثُمَّ يَنْوي الجُلُوْسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وهَكَذَا يَفْعَلُ في صَلاتِهِ.
وأخِيرًا؛ فإنَّنا قَدْ فَصَّلْنَا الحَدِيْثَ عَنْ حُكْمِ صَلاةِ أهْلِ الكَرَاسِي في رِسَالَةٍ مُختَصَرَةٍ، تَحْتَ عُنْوَانِ: «تَنْبِيْهِ النَّاسِي بحُكْمِ صَلاةِ أهْلِ الكَرَاسِي» ، فمَنْ أرَادَ زِيَادَةَ تَفْصِيْلٍ فليَنْظُرْهَا مَشْكُوْرًا، والله تَعَالى أعْلَمُ.
وكَتَبهُ
ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي
(يُتْبَعُ)