ويقول تعالى في سورة الطور (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الآية 21
يقول سعيد بن جبير رحمه الله: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة!
إنها جنان وليست جنة واحدة ولا يعني هذا تعدد جنسها لكنها متنوعة فأجمل ما فيها الفردوس الأعلى , أخرج البخاري [2809] من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ قَالَ يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ ـ وفي رواية إنها جنان كثيرة ـ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى!
وقد أوصانا صلى الله عليه وسلم بأن نسأل الله هذه الجنة فقد ثبت في البخاري [2637] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال".. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
ومما يدلك على عظمها ما أخرجه البخاري [3038] من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر أي النجم في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
وما أخرجه أيضا [2637] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض"
فهل استشعرت وتفكرت في المسافة ما بين السماء والأرض؟!
ورحمة الله واسعة وجوده أعظم فأنزل فيها من سأل الشهادة بصدق؛ كما أخرج البخاري [1909] من حديث سهل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"
ومن لم تدركه رحمات ربِّه في ذلك اليوم فقد خاب وخسر! أخرج البخاري رحمه الله [6469] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النار.
والجنة كما أسلفنا منازل , منزلة حافظ القرآن فيها عند آخر آية يقرأها كما ثبت عند أبي داود [1464] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها. صححه الألباني
ومن رحمة الله تعالى بنا أن أطفال المؤمنين في الجنة! يقول الإمام النووي في شرح النووي [16/ 207] : أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة؛ لأنه ليس مكلفا.
ومن نعمة الله تعالى أن أهل الجنة لا يمرضون ولا يشيبون فقد قال صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند مسلم [2827] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه"ينادي مناد - يعني في أهل الجنة - إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قوله عز وجل (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) ."
(يُتْبَعُ)