فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (2) ، وإذا كانوا في البلد الذي سافروا إليه لزمهم الحضور إن كانوا من أهل الجماعة وإن كانوا مسافرين، أما إذا فاتتهم الصلاة فإنهم يصلون قصرًا أي: ركعتين في الرباعية الظهر والعصر والعشاء، سواء طالت مدة إقامتهم في هذا البلد أو قصرت؛ لأن نبينا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لم يحد للناس حدًا فيقول لهم: إن أقمتم كذا وكذا فاقصروا، وإن زدتم كذا وكذا فأتموا، لم يرد عنه ذلك في حديث صحيح ولا ضعيف، وإنما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - إقاماتٍ مختلفة كلها يقصر فيها الصلاة، أقام في تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، وأقام في مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام فيها عام حجة الوداع وهي آخر سفرة له عشرة أيام يقصر الصلاة أربعة أيام قبل الخروج إلى منى والباقي قبل أن يرجع إلى المدينة، أما الجمع للمسافر فإن كان سائرًا فهو أفضل من تركه أي إذا كان يمشي فالأفضل أن يجمع، فيجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، إما جمع تقديم وإما جمع تأخير حسب الأيسر له، والأيسر له هو الأفضل، سواء كان جمع تقديم أم جمع تأخير، أما إن كان نازلًا فَتَركُ الجمع أفضل وإن جمع فلا بأس، وإذا وصل إلى الميقات أو حاذاه في الطائرة فليُحرم بأن ينوي الدخول في النسك، والأفضل أن يغتسل الإنسان في الميقات وإن اغتسل في بيته قبل أن يركب سيارته أو الطيارة فإن ذلك كاف إن شاء الله؛ لقِصَرِ المسافة بل لقِصَرِ المدة بين خروجه من بلده ووصوله إلى الميقات، فإذا وصل إلى مكة فليبادر بأداء العمرة فليطف بالبيت ويُصلي ركعتين خلف المقام وإلا ففي أي مكان من المسجد ثم يسعى بين الصفا والمروة يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، ومن المعلوم أن الطواف والسعي كل واحدٍ منهما سبع أشواط وبعد السعي يُقصر أو يحلق رأسه ويكون التقصير شاملًا لجميع الرأس لا لجهة واحدة منه، ثم إذا كان الإنسان من نيته أن يخرج من مكة من حين انقضاء العمرة كفاه الطواف الأول عن طواف الوداع، وإن مكث في مكة بعد انتهاء العمرة ولو يسيرًا فلا يخرجن حتى يطوف للوداع؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"لاَ ينصرف أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ" (3) ، وقد سَمَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - العمرة حجًا أصغر، وإذا كانت المرأة حائضًا عند الوصول إلى الميقات فإن كانت تظن أنها تطهر قبل خروجهم من مكة فإنها تغتسل وتُحرم ولكن لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وتبقى على إحرامها حتى تطوف بالبيت وتسعى وتُقَصِر، ومعنى قولنا: تبقى على إحرامها؛ أنها تتجنب جميع محظورات الإحرام، أما الثياب فلها أن تُغيرها وتلبس غيرها، وأما إذا كانت لا تظن أنها تطهر قبل خروجها من مكة فإنها لا تحُرِم، ولكن إن قُدِّر أنهم تأخروا في مكة وطهرت قبل خروجهم منها وأحبت أن تأتي بعمرة من التنعيم فلا بأس،"
أما المدينة النبوية مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وموضع دفنه وبعثه صلى الله عليه وسلم، ففيها مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها قبره وقبر أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - والثلاثة كلها في مكان واحد حجرة أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، وفيها البقيع، وفيها قبور الشهداء في أحد ومن بينهم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - رضي الله عنهم - أجمعين، وفيها المسجد الذي أُسس على التقوى: مسجد قباء الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتيه كل يوم سبت ماشيًا وراكبًا، فهذه خمسة مواضع في المدينة يُؤتى إليها وما سواها فلا أصل لزيارته، لا المساجد السبعة التي يزعمون، ولا مسجد القبلتين، ولا غير ذلك، كل هذا لا أصل لزيارته،
فهذان صنفان من الناس في قضاء الإجازة الصنف الأول: من يبقى في بلده، والثاني: من يُسافر إلى الأماكن المعظمة مكة والمدينة،
(يُتْبَعُ)