فهرس الكتاب

الصفحة 6944 من 20085

أما ترشيد الاحتياجات فيكون من خلال ترشيد الاستهلاك والإنفاق عليه؛ بدءا من الخلية الأولى في المجتمع وهو الفرد، ويجمع الإسلام ذلك كله في كلمة جامعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"رحم الله امرءا اكتسب طيبا، وأنفق قصدا، وقدم فضلا ليوم فقره وحاجته"حيث إنه لا إنفاق أو استهلاك بدون كسب وإنتاج.

وفي الحقيقة فإن العامل الأهم لحل المشكلة الاقتصادية هو الحاجات التي تؤدي إلى ضبط الاستهلاك وبالتالي ترشيد الإنفاق؛ لذا نرى الكثير من النصوص الشرعية والأصول الفقهية تركز في خطابها الاقتصادي والمالي على الإنفاق وترشيد الاستهلاك، ومن ذلك:

-أن الإنفاق وبالتالي الاستهلاك يكون في حدود الدخل والكسب؛ وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما ءاتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} ومن شأن هذا التوجيه أن يحقق التوازن بين الموارد والحاجات ولا يدفع الإنسان لزيادة استهلاكه عن دخله مما يدفعه إلى المداينة.

-الإنفاق على الضرورات أولا ثم الحاجيات ثم التحسينات أو الكماليات وفق ما هو مقرر في أصول الفقه.

-الإنفاق على الأوجه التي تفيد الإنسان بما يؤدي إلى المحافظة على الموارد وحسن تخصيصها، وهذا ما يظهر في نهي الإسلام عن التبذير الذي يعرف بأنه: صرف الشيء فيما لا ينبغي، وهو الصرف في المعاصي، لذا يقول سبحانه وتعالى: {وءاتِ ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} .

-الإنفاق في حدود المطلوب بلا إسراف ولا تقتير؛ حيث يعرف الإصراف بأنه: صرف الشيء فيما ينبغي زيادة على ما ينبغي، ويعرف التقتير بأنه: صرف الشيء فيما ينبغي أقل مما ينبغي، وفي ذلك يقول تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} وقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} . مما يبين عظمة الإسلام في توجيهاته وأحكامه لحل المشكلة الاقتصادية.

وفي مواطن كثيرة من السنة المشرفة نجد ما يدعو إلى ترشيد الاستهلاك الفردي والجماعي ويحث عليه؛ ومن ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا:"كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة"بل توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسرف في الأكل والشرب بالعذاب، فقال:"إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب أو الفضة؛ إنما يجرجر في بطنه نار جهنم"لذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:"وأسألك القصد في الفقر والغنى"والقصد هو التوسط بلا إفراط ولا تفريط وهو معنى ترشيد الاستهلاك، والقصد في الإنفاق يأتي بالبركة في الطعام؛ قال صلى الله عليه وسلم:"إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، وليسلت أحدكم الصحفة، فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة"والبركة تزيد في الطعام وتجعله شفاء من الأمراض.

ومعنى هذا ألا تبقى فضلات تلقى في القمامة ولا ينتفع بها أحد، في حين أن هناك من الناس من يحتاج إليها، وإلى الأقل منها. كما أنه ينبغي ألا يستهان بالقليل من نعم الله، ولو كان لقمة تسقط من الإنسان، فينبغي له أن يميط عنها الأذى ويأكلها، ولا يدعها تذهب هدرا بلا فائدة، فمثل هذا الإهدار للشيء يعبر عنه الشرع بأنه يذهب للشيطان. فكل ما لا يستفاد منه فمآله إلى الشيطان. وقد تقول: ما قيمة لقمة تسقط أو فضلة تبقى من صحفة؟! ولكن الذي ينظر إلى ذلك على مستوى الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، ومستوى وجباتٍ ثلاث كل يوم؛ يعلم أن ذلك يقدر في مجموعه وفي النهاية بعشرات الملايين.

ويتحدث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحتاج البيت من فراش، ويرشد إلى عدم التوسع في ذلك من غير مبرر ولا حاجة داعية، فيقول صلى الله عليه وسلم:"فراش للرجل، وفراش لامرأته، وفراش للضيف، والرابع للشيطان"ذلك أنه زيادة لغير حاجة ولا مصلحة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت