فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وفي حديث جبريل الشهير أخبر أن من علامات الساعة أن يفيض المال ولا يحسن الناس إنفاقه أو استهلاكه، حتى أنهم يتطاولون في البنيان:"وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"وتطاولهم في البنيان يفيد تسابقهم وتنافسهم فيه، وهذا علامة على الزخارف والانغماس في حب الدنيا بعدما كانوا حفاة بلا نعل، عراة بلا ثوب عالة بلا طعام لا يعرفون من الحرف والصناعات إلا رعاية الأغنام وإن كانت هذه الأوصاف لا تعتبر ذما، كما أن الوصف"يتطاولون في البنيان"لا يعتبر ذما؛ لأن البناء ليس محرما بشروط، فقد جاء في الحديث:"إن المسلم يؤجر في كل شيء إلا في شيء يجعله في هذا التراب"وعنه صلى الله عليه وسلم:"أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا"يعني إلا ما لا بد منه، والذي يفهم من هذا الباب أن للمسلم أن يبني بيته فيما يحتاج إليه ويوسع لنفسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أحب المسكن الواسع وجعله من السعادة فيما رواه ابن حبان:"أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق"وأحاديث النهي والتحذير الواردة في السياق إنما عن الإسراف والزخرفة والمباهاة؛ مثل النقوش ووضع الذهب وغيره بالأسقف والجدران. هنا نعود إلى القواعد العامة: فالبناء ليس محرما في أصله، ولكن له ضوابطه {ولا تجعل يدك مغلولة إل عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} و {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} إنه تحذير من بسط اليد الزائد كالتبذير والترف.
تعال معي ننظر إلى الناحية الاقتصادية في أمتنا خاصة في المباني، ماذا نلاحظ: أبنية للمحرمات: دور"الأوبرا"، والمسرح، والسينما، واستوديوهات، معاهد الرقص، صالات"الديسكو"،"البارات".... ألخ. أبنية لا تعرف لماذا؟ الأبراج (برج القاهرة مثلا) الأشكال التي يسمونها جمالية، وليست بسيطة بل ذات أشكال باهظة التكاليف. القصور: لفرد واحد قد يبني عدة قصور وكل قصر عدة مباني، وكل مبنى فيه كذا وكذا .. لماذا؟ وفي الأثر:"حجرة لك، وحجرة لأهلك، وحجرة لولدك، وحجرة لابنتك، وحجرة للضيف، وما زاد للشيطان"حتى المساجد: أطول مئذنة .. زخارف هي للمساجد من علامات الساعة.
القرآن يخبرنا: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} إن استرضاء مشاعر المسلمين بذلك لا ينفع عند الله، الذي يرضاه الله إيمان وجهاد.
الزخارف: إذا كان منهي عنها بالمساجد فكيف بالبيوت التي ينفق الملايين على إضاءتها .. يستوي في ذلك ما يعرف بالدول الغنية أو الفقيرة؛ لأن كل دولة فيها أهل الترف.
إن هذا كله يضيع حق الفقراء والمساكين واليتامى. إن هذا كله يضيع حق المجاهدين. نعم قد يعطي بعض أهل الخير أو يعطي بعض الناس - على استحياء - فتات موائدهم.
لكن الحديث الآن على المناخ العام {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} إن دقة ألفاظ الحديث تبدو في قوله صلى الله عليه وسلم:"يتطاولون في البنيان"في الأعمال التي لا تُوجِدُ أمةً ذات اقتصاد قوي - بلغة العصر مجتمع استهلاكي لا إنتاجي.
إذن لا بد من تبعية هذه الدول اقتصاديا لغيرها؛ أي: لعدوها ... إن الأمة التي تسلم اقتصادها لعدوها ستعيش في دائرته .. ستجد نفسها تعبث بالشريعة الإسلامية في مجال الاقتصاد: ستتعامل بالربا المُجلِب لحرب الله ورسوله، ستتعامل بالرشوة الملعون صاحبها، تقسو القلوب، تمنع الزكاة، لا تُقبل الدعوات.
كل ذلك في عموم المجتمع - إلا ما رحم ربي وقليل ما هم - لأنهم يريدون التفاخر. والتبعيةُ للغير تؤدي إلى هلكة المجتمع، والمعصيةُ لله تجلب غضب الله
لذلك كان"أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"من علامات الساعة.
(يُتْبَعُ)