ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة تامة في ترشيد الاستهلاك؛ حيث كانت حياته الشريفة بعيدة عن كل مظاهر الترف والسرف، وكتب السيرة النبوية تذكر أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ فراشا وطيئا، وكان ينام على الحصير حتى وُجد أثره في جنبه، وكانت وسادته حشوها من ليف، ولم يشبع طوال عمره تقربا إلى الله ورعاية لحقوق فقراء المسلمين مخافة أن يكونوا جياعا وهو شبعان، عن أبي هريرة رضي الله عنه:"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير"وصار الصحابة رضوان الله عليهم على درب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أبو بكر رضي الله عنه لما ولي الخلافة، قال الصحابة: افرضوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيه. قالوا: نعم، بردان: إذا أخلقهما وضعهما، وأخذ مثلهما، وظهران: إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، قال أبو بكر:"رضيت"وفي رواية أنهم قسموا له خمسين ومائتا دينار في السنة، وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله، فذهب إلى السوق ليتدبر طعام بيته، فلقيه عمر، فأخذ بيده ليخرجه من السوق، فقال أبو بكر لا حاجة لي في إمارتكم، رزقتموني ما لا يكفيني ولا عيالي، فقال عمر: فإنا نزيدك، فقال أبو بكر: ثلاثمائة دينار، والشاة كلها، فوافق له عمر وعلي على ذلك. ولما حضرته الوفاة قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين، فرفع إلى عمر بن الخطاب لقوح وعبد وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم، فقال عمر:"لقد أتعبت من بعدك"ولما ولي عمر رضي الله عنه الخلافة قال: إني كنت امرأ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحل لي في هذا المال - وعلي رضي الله عنه ساكت - فأكثر القوم، فقال: ما تقول يا علي؟ قال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك غيره، فقال القوم: القول ما قاله علي، يأخذ قوته. قال سعد بن أبي وقاص: والله! ما كان عمر بن الخطاب بأقدمنا هجرة، وقد عرفت بأي شيء فضلنا؛ كان أزهدنا في الدنيا.
هذا وقد حدد الإسلام المعايير الكمية والنوعية لاستهلاك السلع والخدمات ترشيدا للاستهلاك؛ فلا يسمح للفرد المسلم أن يستهلك الأشياء كيفما شاء بلا ضوابط؛ بل يحدد له المعيار المناسب الذي يصلح حياته دون أن يسبب ضررا للمجتمع حوله، مراعيا في ذلك الطبقات المتلفة في المجتمع، والظروف والأحوال المحيطة به. فتناول الشرع إنفاق المسلم في المال والثياب والطعام والشراب وبناء المسكن وما يلزمه من المستلزمات. ومن ذلك:
المال: الذي إن أفرط المسلم في إنفاقه، اضطر إلى الاستدانة والتحرج أمام الناس، وقد تعوذ منها المصطفى صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"وحين أراد كعب بن مالك أن ينخلع من ماله توبة إلى الله تعالى، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"كما منع سعد ابن أبي وقاص أن يتصدق بجميع ماله، واكتفى منه بالثلث، والثلث كثير، ثم وجهه للمصلحة المالية التي يحتاجها ورثته من بعده فقال:"إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لهم من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"وأراد صحابي أن يتصدق ببيضة من ذهب وقال: ما أملك غيرها، وأصر على التصدق بها، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"يقول الإمام الخطابي في شرح الحديث: وفي الحديث من الفقه؛ أن الاختيار للمرء أن يستبقي لنفسه قوتا، وألا ينخلع من ملكه أجمع مرَّة واحدة، لما يخاف عليه من فتنة الفقر، وشدة نزاع النفس إلى ما خرج من يده، فيندم؛ فيذهب ماله، ويبطل أجره، ويصير كلا على الناس، وإنما لم ينكر على أبي بكر الصديق خروجه من ماله أجمع لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه، ولم يخف عليه الفتنة، كما خافها على الرجل الذي رد عليه الذهب وقد مر قريبا بعض من الآيات التي تحض على التوسط في الإنفاق وتنهى عن التبذير والتقتير معا
(يُتْبَعُ)