فهرس الكتاب

الصفحة 7044 من 20085

إليه. رحم الله الجميع.

على أن من أئمة الأشاعرة من صرح أن الإرادة تطلق بالاشتراك على المخصصة والأمر أو الطلب، كالشهرستاني، وسيأتي نقل كلامه.

والخطأ الثاني الذي وقع فيه هو في محاولته الخروج من إلزام المعتزلة بأن الله جل وعلا إنما أراد التيسير بواسطة الإباحة. فالسؤال عائدٌ عليه بأن يقال: فهل حصل التيسير بالإباحة لمن لم يأخذ بها؟ إن قال: نعم؛ كابر. وإن قال: لا، قلنا: فالآية مصرحة بأن الغرض من الإباحة وقوع التيسير ولم يقع لوجود من لا يأخذ بها.

وقد يعترض معترض بأن المراد هو التيسير لمن يعمل بالإباحة خاصة. وليس المراد التيسير لمن لم يأخذ بها. ويجاب بأن الإباحة إن كانت واقعة من أجل التيسير كانت الإرادة شاملة لكل من شُرِعَت له الإباحة، وإلا كان معنى الكلام أن الله أباح الفطر للمريض والمسافر يريد بذلك التيسير ولا يريده، وهذا إن لم يكن تناقضًا فإنه يعود على عموم الآية بالنقض، فهو باطل. بيانه أن معنى الآية على هذا التفسير أن المسافر أو المريض إن أفطر فإن الله شرع له الإباحة للتيسير، وإن لم يُفْطِر فإن الله شرع له الإباحة لغير التيسير.

ولعله من أجل ذلك لم يعول ابن حيان رحمه الله على هذا الجواب وصرح بأن الآية تحتاج إلى التأويل.

أما قوله جل وعلا (ولا يرضى لعباده الكفر) فهي أوضح دلالة من سابقتها. قال البغوي في تفسيرها:"قال ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان"فيكون عامًا في اللفظ خاصًا في المعنى، كقوله تعالى:"عينًا يشرب بها عباد الله"يريد بعض العباد، وأجراه قوم على العموم، وقالوا: لا يرضى لأحد من عباده الكفر."

ومعنى الآية: لا يرضى لعباده أن يكفروا به. يروى ذلك عن قتادة، وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله عز وجل، وإن كان بإرادته""

وقال القرطبي في تفسيرها:"وقال ابن عباس والسدى: معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وكقوله: (عينا يشرب بها عباد الله) [الإنسان: 6] أي المؤمنون. وهذا على قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة. وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده، فالله تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد الله عزوجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا. وهذا مذهب أهل السنة"انتهى.

وقد اختلف في إطلاق لفظ الإرادة على الرضا، فمن جوز إطلاقه فمنهم من رأى الاثنين شيئًا واحدًا، إلا أن الإرادة أعم تعلقًا، وهو مذهب الأشاعرة، ومنهم من قال إن الرضا غير الإرادة في المعنى والمتعلق جميعًا وإطلاق اللفظ عليهما إما على سبيل التواطؤ أو المجاز في الرضا. وقيل الاشتراك، وليس بشيء. والله أعلم.

وعلى الأخير يمكن أن يقال بانقسام الإرادة إلى كونية وهي التنجيزية، وشرعية وهي التي يمكن أن يتخلف معها المراد. كما هو مذهب أهل السنة الذين قدمنا قولهم سابقًا.

وقد اضطر بعض الأشاعرة إلى التسليم بالفرق بين مراد الله المتعلق بالحصول وعدمه، ومراده المتعلق بفعل العبد من حيث هو كسبه خاصة، فقالوا: الأول حاصل لا محالة، والثاني إنما تتعلق به المحبة والرضا والبغض والسخط، كما قاله الشهرستاني رحمه الله.

قال الشهرستاني:"... والسر في ذلك أن الإرادة الأزلية لم تتعلق بالمراد من أفعال العباد من حيث هو مكلف به إما طاعة وإما معصية وإما خيرًا وإما شرًا، بل لا تتعلق به من حيث هو فعل العبد وكسبه على الوجه الذي ينسب إليه؛ فإن إرادة فعل الغير من حيث هو فعله تَمَنًّ وشهوة، وإنما يتعلق به من حيث هو متجدد متخصص بالوجود دون العدم، متقدر بقدر دون قدر، وهو من هذا الوجه غير موصوف بالخير والشر، وإن أُطلق لفظ الخير على الوجود من حيث هو وجود فذلك إطلاق بمعنى يخالف ما تنازعنا فيه، فالباري تعالى مريد الوجود من حيث هو وجود، والوجود من حيث هو وجود خير، فهو مريد الخير وبيده الخير، وأما الوجه الذي ينسب إلى العبد هو صفة لفعله بالنسبة إلى قدرته واستطاعته وزمانه ومكانه وتكليفه، وهو من هذا الوجه غير مراد للباري تعالى، وغير مقدرو له!! ولما تقرر عندنا بالبراهين السابقة أنه تعالى خالق أعمال العباد كما هو خالق الكون كله، وإنما هو خالق بالاختيار"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت