فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والإرادة لا بالطبع والذات؛ فكان مريدًا مختارًا لتجدد الوجود وحدوث الموجود، ثم الوجود خيرٌ كله من حيث هو وجود، فكان مريادًا الخير، وأما الشر فمن حيث هو موجود فقد شارك الخير، فهو مع ذلك شرٌّ محض، فهو تعالى مريد الوجود ومريد الخير، والعبد يريد الخير والشر" (نهاية الإقدام) صفحة 145."
ثم نقل عن الفلاسفة ما يشبه هذا القول، مع أن الفلاسفة أجروه على أصلهم في الإرادة، أما الشهرستاني فخالف بهذا التفريق أصله، لذا لم يوافقه من أصحابه سوى الآمدي. والله أعلم. بيانه: أن الوجود على المشهور من مذهب أصحابه هو عين الموجود، هذا قول أبي الحسن الأشعري، فوجود الشر هو عين الشر لا صفة زائدة على ذاته.
وقيل بل صفة اعتبارية لا وجود لها عند التحقيق، وهو مذهب الرازي وتابعه كثيرون، فلو قلنا إن الشر غير مراد لله من جهة كونه كسبًا للعبد وفعلًا له، ولكنه مرادٌ لله من حيث وجوده فقط، لزم أن ليس لله فيه فعل ألبتة، وأن حقيقة الشر وذاته من فعل العبد، وإنما تعلق فعل الله بلا شيء وهو الوجود الذي هو صفة اعتبارية لا وجود لها عند التحقيق.
فإن قيل: بل لله جل وعلا فعلٌ في الحقيقة هي إخراج ذات الشر وحقيقته من حيز العدم إلى الوجود. قلنا: معنى إخراجه من حيز العدم إلى الوجود هو إيجاده، والإيجاد أمر اعتباري لا وجود له في الخارج، فكان حقيقة قولكم هذا أن الله فعل لا شيء. ويقال أيضًا: فإن كان لهذا الفعل وجود في الخارج، فهل وجوده ذات الشر وحقيقته أم غيره؟ إن قلتم بالأول؛ كان الله هو الفاعل للشر على الحقيقة، وبطل ما سطره الشهرستاني رحمه الله، وإن قلتم: بل هو أمر زائدٌ على ذاته. قلنا: فذاك الزائد ليس بشيء على مذهبكم، فيعود الإلزام وهو أن الله لم يفعل في الحقيقة شيء، وإنما الفعل هو للعبد. وهذا خلاف قولكم.
ثم إنه عاد فكرر الكلام في صفحة 145 - 146 بنحو ما تقدم وكان مما قال:"... فما كان من فعل العبد من الذي سميناه كسبًا، ووقع على وفق العلم والأمر كان مرادًا ومرضيًا؛ أعني مرادًا بالتجدد والتخصيص مرضيًا بالثناء والثواب والجزاء، وما وقع على وفق العلم وخلاف الأمر كان مرادًا غير مرضي، أعني مرادًا بالتجدد غير مرضي بالذم والعقاب، وهذا هو سر هذه المسألة"
فالمخالف لهم من أهل الحديث والكرامية يقول: فنحن نطلق على المحبة والرضا والبغض والسخط اسم الإرادة، ولا يجب عندنا أن يحصل هذا المراد خاصة، إما لكونه من فعل العبد من حيث هو كسبه كما تقولون، وإما لأن اللغة تتسع لذلك، وقد صرح الشهرستاني بأن الإرادة تطلق ويراد بها الأمر أيضًا على سبيل الاشتراك. فلو فرضنا أنا أخطأنا فغايته أن يكون الخطأ لفظيًا، مع أنكم أنتم تفسرون هذه المذكورات بإرادة الثواب والجزاء والعقاب. فحصل الاتفاق على التفرقة من جهة، وعلى صحة إطلاق اللفظ من جهة أخرى.
بل انتهى الشهرستاني إلى التصريح بالتفرقة بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية فقال:"وقد تمسكت المعتزلة بكلمات من ظواهر الكتاب منها قوله تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر) وقوله (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات انم تميلوا ميلًا عظيمًا) وقوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) وقوله (وما الله يريد ظلمًا للعباد) وقوله (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) وقوله (سيقول الذين أشركوا) وقوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وأجابت الأشعرية بتأويلات وتخصيصات."
وأحسن الأجوبة أن نقول إرادة الله ومشيئته أو رضاه ومحبته لا تتعلق بالمعاصي قط من حيث أنها معاص كما لا تتعلق قدرته تعالى بأفعال العباد من حيث هي أكسابهم فيرتفع النزاع ويندفع التشنيع وخرج ما قدرناه من التحقيق وإن شئت حملت كل آية على معنى يشعر به اللفظ ويدل عليه الفحوى.
أما قوله تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر) أي لا يرضى لهم دينًا وشرعًا فإنه وخيم العاقبة كثير المضرة ..."إلى آخر كلامه."
فانظر كيف أنه رحمه الله يقرر غاية التقرير أن الإرادة المتعلقة بالمتجددات لا تتعلق بالمعصية من حيث هي معصية وكسب للعبد مع أنه أوجدها، وتتعلق بالمعصية من حيث الوجود أو التجدد، مع أنه لم يرضها. فاختلفت جهتي الإرادة. فمع اتفاقه مع أهل السنة في هذا الوجه فإنه يخالفه في أنه يجعل الإرادة واحدة بالعين لفظًا ويفرق بين أفرادها تحقيقًا، وأهل السنة يفرقون بينهما لفظًا وتحقيقًا.
وهنا أمر، وهو أن فودة في رده على ابن أبي العز استنكر قوله في الإرادة أنها نوعان، وهو استنكار غريب. ذلك أنه بناه على أن الإرادة واحدة بالعين، وبالتالي الواحد بالعين لا يكون نوعين. هذا مع أن خصمه لا يسلم له أن الإرادة واحدة بالعين، بل الإرادة غير الرضا وغير المحبة وغير السخط والغضب عنده، فإطلاق لفظ الإرادة عليها هو من باب إطلاق العام على أفراده من ربما على أحد الأوجه التي ذكرناها سابقًا من تواطؤ أو قرينة كون المحبوب مراد حصوله، والمكروه مرادٌ عدمه وغير ذلك، وعند التحقيق فالمحبة ليس بإرادة لأن إرادة حصول المحبوب ليست هي عين المحبة بل لازم لها.
وأنت ترى هنا أن الشهرستاني فرق بين الرضا بل الإرادة لفعل العبد من حيث هي فعله وكسبه، وبين المتعلقة بفعل العبد من حيث تجدده وكونه. مع أن الإرادة عنده وعند أصحابه واحدة بالعين، فكان هو أولى بالنقد من ابن أبي العز الذي يفرق بين الإرادة والرضا والمحبة إلى آخر ما تقدم.
وأخيرًا، انتقد فودة على ابن أبي العز تسميتها أحد قسمي الإرادة بالشرعية، وصحح أن يقال:"التشريعية"وهو خطأ من وجهين: الأول: أنه رحمه الله ذكر أنه يدخل في الشرعية الرضا والمحبة، وليسا بتشريع. ثانيًا: أنه على فرض أنها خاصة بالتشريع فيجوز تسميتها أيضًا بالشرعية، وذلك كما الله عز وجل (شرع لكم من الدين) فالتشريعية من شرَّع بتشديد الراء، والشرعية من شرَعَ بغير تشديد، وكلاهما بمعنى. ومن الأخير قول البعض"شريعة حاموراي"أي تشريعه.
والحمد لله على ما هدانا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(يُتْبَعُ)