فهرس الكتاب

الصفحة 7089 من 20085

الثالثة: وكما جعل الله النتائج ثمار الأسباب، جعل لكل سبب منها قدراًَ لا يقع المسبب إلا عنده، (قد جعل الله لكل شيء قدرًا) و (شيء) نكرة في سياق الإثبات تعم كما تعم في سياق النفي على الصحيح فيدخل في هذا العمومِ الأسبابُ، ويدل لهذا قول النبي لمن شكا إليه مرض ابن أخيه:"اسقه عسلا"ثم قوله له بعد الأولى والثانية:"صدق الله وكذب بطن ابن أخيك"فلما كانت الثالثة شفي، فعلم من هذا أن الله كما جعل العسل سببا للشفاء، جعل لما يتناوله المريض منه قدرًا لا يقع الشفاء إلا عنده، ولو اقتصر على مادون هذا القدر لم يقع! وبهذا تعلم قدر الجناية على الشرع ممن تعاطى السبب ناقصا ثم زعم أن العسل لا شفاء فيه!!!

وهكذا الشأن في جميع الأسباب:

-فالطبيب يصف للمريض الدواء ويلزمه بقدر منه لا يقع الشفاء إلا عنده، ولو اكتفى ببعضه وزعم أن الدواء فاسد لا يعالج المرض! قيل له: جانبت الصواب فيما زعمت، بل يلزمه إكمال تعاطي السبب ليحصل الشفاء.

-والجائع لو تناول بعض الطعام أو قليلا منه وزعم أن الطعام لا يدفع الجوع لقيل له: أخطأت، بل الجوع لا يندفع إلا بقدر من الطعام يحصل عنده الشبع وإلا لم يحصل.

-والزارع لو سقى الزرع مرة أو مرتين ثم زعم أن الزرع لم ينبت أو يبس ولم يثمر، لأن الماء لا ينبت زرعا ولا يصلح سببا لذلك لقيل له قصرت.

-ولو أن من أراد حفظ سورة من القرآن كرر قراءتها مرة أو مرتين أو عشرا ثم زعم أن التكرار لا يصلح سببًا للحفظ! قيل له: ليس الأمر كما ظننت، بل جعل الله للتكرار قدرا لا يقع الحفظ إلا عنده وإلا فلا.

-ولو أن متعلما حصّل قدرا من العلم، ثم خلاّه وزعم أن العلم لا يُبَلِّغُ مراتب العلماء، لأنه لم يبلغها بما حصله من العلم، لقيل له على العلم جنيت، بل يلزمك كد الليل والنهار حتى تبلغه، وإلا لحقت بركب الجاهلين وتخلفت مع المتخلفين.

-ولو صال صائل على مسلم واقتحم عليه داره فضربه المسلم بعصا ليدفعه عن حوزته وحريمه، ثم قعد وزعم أن ضربه لا يدفعه وخلى بينه وبين ما يريد لقيل له تماديت وافتريت، بل الواجب عليك بذل ما تقدر عليه من الأسباب والتَّحَيُّلُ له بكل أمر مشروع، فإن لذلك قدرًا لا يندفع الصائل إلا ببذله، وإلا لم يندفع.

-ومثل هذا فيما لو صالت أمة كافرة على بلدة من بلاد المسلمين، وقام أهلها بدفع العدو لكنهم عجزوا عنه، أو بذلوا في دفعه دون القدر الواجب الذي يقع عنده السبب، وزعم زاعم أن الجهاد في سبيل الله لا يصلح سببا لدفع العدو لأنه لم يندفع بقتال من قاتل! لقيل له: كذبت، بل لا يندحر العدو إلا بقدر من السبب يجب تحصيله، إما على أهل تلك الناحية أو على من يليهم من المسلمين إن عجزوا وتكاسلوا.

-وقبل سنين أوائلَ هذه الحرب الصليبية لقيت بعض العلماء، وزعم أن التجربة (ويعني بها قتال الروس وجهادهم فيما مضى في أفغانستان) قد دلت على أن الجهاد في سبيل الله لا يصلح سببا لإقامة الدين والشرع ولا للتمكين لدولة الإسلام! وهذه الدعوى جناية على الشريعة أولًا وعلى عبادة الجهاد ثانيًا، بل الجهاد في سبيل الله من أعظم الأسباب الموصلة إلى ذلك، وإنما جعل الله لحصول المسبب وهو التمكين في الأرض والاستخلاف فيها قدرًا من السبب-ومنه الجهاد- يجب بذله ولا يتم التمكين إلا به.

وقولي في الجهاد (من أعظم الأسباب) أشير بها إلى أن التمكين لدولة المسلمين في الأرض يستلزم الأخذ بأسباب أخرى، وأن يبذل من كل منها القدر الواجب الذي لا يتم المسبب إلا به.

وهذا يدلك على أمور:

الأول: أن الجهل بهذا الذي ذكرناه حمل كثيرا من الدعاة والمتصدرين للعلم على الخوض في مناهج دخيلة للسعي في التمكين للدين وإقامة الشرع، كالانتخابات، والحوارات، والاقتصار على الدعوة، أو التربية، أو طلب العلم، مع الإعراض عن النهج القويم والسنن المستقيم في قيام الجماعات والأمم والدول!

والثاني: خطأ من يظن أن الجهاد هو السبب الأوحد الموصل إلى التمكين في الأرض، فخلوا الأسباب الأخرى معطلة هملا، ومن أخذ بشيء منها لم يُحَصِّلْ منه ما وجب، فطال الأمر، وضعفت الهمم، وتخاذل الناس، واتهم الجهاد وأهله والله المستعان، وهذا المقام يحتاج إلى كثير من البسط والإيضاح وضرب الأمثلة لتتجلى حقيقته للعيان، ومحله"أرائك الحكمة"وبالله التوفيق.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت