فهرس الكتاب

الصفحة 7090 من 20085

-واعلم أن مقادير الأسباب التي يجب تعاطيها يستوي فيها جميع الناس مؤمنهم وكافرهم كما يستوون في نفس الأخذ بالأسباب وتولد المسبَّبات عنها، فكما يستوون في التداوي لدفع المرض، والطعام لدفع ألم الجوع، والنكاح للولد، يستوون كذلك في إقامة الجماعات وحماية الأمم وبناء الدول، والفرق إنما هو في الاعتقاد والقصد، فالمسلم يعتقد أن الله وحده خالق الأسباب ومقدرها، وخالق المسببات، وأن الأسباب لا تفعل بنفسها، وأن الأخذ بها عبادة، لأنه أمربها ولا تعبد إلا بما شرع سبحانه، فكل سبب دل الشرع على المنع منه أعرض عنه إلى ما سواه من المباحات، ثم قصده من ذلك كله إعزاز الدين وإقامة الشرع وصلاح الخلق وبلوغ مرضاة الله تعالى، والكافر على العكس من ذلك كله.

-فإن قلت: فما حد القدر الذي يجب تعاطيه من الأسباب لتحصل عندها المسببات؟

قلت: ما أثبت له الشرع حدًا حددناه به، كالزكاة وصدقة الفطر لدفع حاجة الفقير، وكخمس الغنيمة لسد حاجة الأصناف الخمسة المذكورة في الآية، وأربعة أخماسها لسد حاجة الغانمين، ونحو ذلك.

-وما لا حد فيه، فحده حصول المسبب المطلوب، كالتداوي فإننا نستدل بحصول الشفاء على القدر المطلوب من الدواء، وكالشبع نستدل بحصوله على القدر المحتاج إليه من الطعام، وكبلوغ الزرع الحصاد نستدل به على القدر المطلوب من الماء والشمس والهواء، وكحفظ السورة من القرآن نستدل به على القدر المطلوب من عدد مرات التكرار، وكزوال المنكر نستدل به على القدر الواجب من الإنكار، وكاندحار العدو نستدل به على القدر الواجب بذله من القتال لدفعه، وكالتمكين لدولة الإسلام في الأرض نستدل به على حصول القدر الواجب من الأسباب المبذولة لقيامها، ففي كل هذا وأمثاله نستدل بحصول المُسَبَّبِ على حصول القدر الواجب من السبب وليس العكس.

وهنا نكتة لطيفة وسر من أسرار الحكمة الربانية في هذا أنبهك عليه: وهي أن الله تعالى جعل مقادير الأسباب متفاوتة في تحصيل المسببات بين العباد، حتى في السبب الواحد نفسه، فما يصلح من قدر الدواء لبرء شخص قد لا يقع به برء غيره، لحاجة هذا الآخر إلى قدر آخر من الدواء، وهكذا في دفع ألم الجوع، فالقدر الذي يندفع به ألم الجوع من الطعام عن شخص لا يكفي لغيره، وهكذا عدد مرات التكرار التي يقع بها الحفظ تختلف بين إنسان وغيره، وربما كان الفرق في مقادير الأسباب لاختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة، كالفرق في إعداد العُدَّةِ الواجبة لدفع الصائل، أو إقامة شرع الله تعالى في الأرض والتمكين له بإقامة دولة الإسلام، بين زماننا هذا والزمن الأول الذي كان القتال فيه بالسيف والرمح ولما تظهرْ فيه بعدُ كثير من العلوم التي هي اليوم من أعظم أسباب القدرة والقوة والتمكين، كأنواع العلوم التي تساس بها الأمم والدول، والتراتيب الإدارية، والعلوم القتالية، والصناعات الحربية، وغير ذلك مما يصعب حصره ويطول عده، فاشدد على هذه النكتة يدك، فإنها تدلك على كثير من مواطن الخلل في تفكير كثير من المسلمين خاصتهم وعامتهم من جهة، وعلى الخلل والقصور في العمل لهذا الدين من جهة أخرى.

-فإن قلت: فما علة التفاوت في مقادير الأسباب؟! وهلاَّ كانت واحدة يستوي فيها الإنسان والزمان والمكان؟!

قلت: هي نفس العلة التي لأجلها جعل الله عقول الناس وفهومهم على مراتب مختلفة تتفاوت في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، فعالم وأعلم منه، وطالب وأطلب للعلم منه، وجاهل وأجهل منه، وهي نفس العلة التي لأجلها أخفى الله تعالى أنواع المصالح فيما أودعه في هذا الكون من المنافع والحكم والأسرار، وهي أعني العلة في هذا كله: جعلُ الله تعالى هذه الدار دارَ امتحان وابتلاء، يسعي الناس فيها ويكدون ويكدحون ويتنافسون في اجتلاء مخبآتها ومعرفة كنوزها وأسرارها، كما يتنافس العلماء في استخراج درر الكتاب والسنة بالخوض في بحريهما وتنزيل أحكامهما على ما يستجدُّ من الحوادث والنوازل، فما تراه ظاهرا من العلوم اليوم كان خفيا في أمس الذاهب، وما خفي اليوم أظهر الساعون منه في غد بقدر ما آتاهم الله من المواهب، وفي هذا السعي - وحديثنا عن الأخذ بالأسباب - تتفاوت الهمم وتختلف العزائم، في الأفراد والجماعات والدول، فمن وفقه الله ووجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك ورأى نفسه في الساقة عند أذناب الإبل

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت