الفرقة الخامسة: وهي طائفة تهول الأمور، وتجعل الأمور الصغيرةَ كبيرةً؛ فإذا وجد - ولو خطأ يسيرا - من إخوانهم طوروه، وجعلوا له أجنحة، وأذيالا، وزادوا ونقصوا ونسوا، وقولوه ما لم يقل، ثم أخذوا ينشرون ذلك عبر تلك الشبكة المسماة بالإنترنت - شبكة المعلومات العنكبوتية - التي لو استخدمت في الخير لكان فيها خير كثير، لكن أصبح جل استخدامها في الشر: إما في باب الإفراط، وإما في باب التفريط.
وأهل السنة والجماعة وسط في هذا كله؛ بين هذه الأمور كلها: بين المفْرِطين والمفرِّطين، والمضخمين، والمهرجين، والمستغلين.
لعلي أشير إلى مسألة مهمة - هنا - وهو أن بعض ضعاف الإيمان، أو مرضى القلوب! إذا بين بعض كبار أهل العلم مسألة من مسائل العلم؛ ونصحوا لأمتهم - وما زال علماؤنا - وفقهم الله - وما فتئوا ينصحون للأمة - قديما وحديثا - لكن بعض الذين يصطادون في الماء العكر يحورون النصيحة إلى أن المقصود فلان وفلان ممن هو معلوم أنه من أهل السنة والجماعة، أو أن المقصود أهل البلدة الفلانية، ونحو ذلك، كما فعل بعضهم قبل بضع سنوات لما أصدر شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله تعالى - بيانا يوجه فيه الدعاة إلى المسلك السوي في الدعوة إلى الله - عز وجل - ووجه لهم نصيحة قيمة في عدم (الإفراط والتفريط) نصيحة عظيمة؛ لا غبار عليها ولا يمكن أن يشك في قصده ونيته - رحمه الله تعالى - بهذه النصيحة وإن مراده الخير، وهي نصيحة - لمن وفق وعقلها - نصيحة عظيمة جدا، يعني فيها رسم للمنهج الطيب للدعاة إلى الله - عز وجل - يعني يدعو على بصيرة، وأن يسلكوا منهج أهل السنة إلى الجماعة في بيان الحق بدليله، والرد على المخالفين بالطرق الشرعية المعروفة.
فلما صدر بيان الشيخ - رحمه الله تعالى - قام بعض المحرفين، وبعض الغلاة، وبعض زعماء الفرق المعاصرة؛ وألقوا محاضراتٍ أكثرها ألقيت في ليلة واحدة (!!) ، وفسروا أن بيان الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - يقصد به مجموعة في من الناس في المدينة النبوية.
فما كان من الشيخ - رحمه الله تعالى - إلا أن أصدر توضيحا لهذا الفهم المنكوس، والذي أفرزته تلك المحاضرات التي فسرت كلام الشيخ بغير مراده فقال - ما خلاصته - من زعم أنني أقصد بهذا البيان: فلانا وفلانا من إخواننا، أو أقصد أحدا من أهل السنة والجماعة فهذا كذب، وإنما من يصطاد في الماء العكر - هذه عبارة الشيخ - رحمه الله - مسجلة بصوته عندي - وإنما من يصطاد في الماء العكر يقول: إن المقصود بالبيان فلانا وفلانا!!
فرد على أولئك الذين يصطادون في الماء العكر، وبين أن بيانه إنما هو بيان عام لإخوانه الدعاة إلى الله - عز وجل - في أن يسلكوا الطريق المستقيم - طريق أهل السنة والجماعة في الدعوة إلى الله على بصيرة، والسير على هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيدا عن الإفراط والتفريط.
فكان في توضيحه ذلك - رحمه الله - ردا قاطعا، وبيانا ساطعا، في الرد على يصطادون في الماء العكر، والذين يحورون كلام علمائنا في أن المقصود به زيد أو عمرو، ويشوشون عبر تلك الأجهزة المشبوهة، ويفسرون كما يريدون، وتوجيهات علمائنا ومشايخنا واضحة أوضح من الشمس في رابعة النهار، فمن أراد الحق وجده، ومن أراد الاستفادة من كلام علمائنا فالأمر جلي واضح، ومن أراد أن يصطاد في الماء العكر فقد اصطادوا في القرآن الكريم؛ وحرفوه عن ظاهره، وحملوه على غير معناه، ولووا كثيرا من أعناق النصوص من الآيات والأحاديث وحملوها على غير معناها.
هذه القضية هي التي حملتنا على اختيار هذا الكتاب القيم للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى فنستعين بالله - عز وجل -.
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وحده؛ والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ وبعد: قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله:
(( المتن ) )
بسم الله الرحمان الرحيم؛ وبه نستعين.
الحمد لله رب العالمين؛ وصلاته وسلامه على إمام المتقين، وخاتم النبيين؛ وآله، وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
(( الشرح ) )
(يُتْبَعُ)