هذه مقدمة درج عليها السلف، وهي مقتبسة من هدي الكتاب والسنة، بعد التسمية بعد ذكر اسم الله - عز وجل -، ثم الاستعانة به؛ لأنه وحده الذي يستعان (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) سورة الفاتحة آية (5) .
بدأ بحمد الله - عز وجل - والثناء عليه بما هو - له - أهل، ثم الصلاة والسلام على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم ثنى بالصلاة والسلام على آله وصحبه الكرام؛ وكذا من تبعهم بإحسان، وهذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده، وكذلك علماء الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثم قال (أما بعد) وهي كلمة فصل معروفة عند العرب من قديم الزمان.
(( المتن ) )
فهذه كلمات مختصرة جامعة، في الفرق بين النصيحة والتعيير
(( الشرح ) )
فهذه كلمات مختصرة جامعة، في الفرق بين النصيحة والتعيير؛ كلمات؛ لأنه كتاب يوصف بأنه صغير، ولكنها كلمات قليلة غير أن نفعها عظيم جدا، قليلة في مبناها، عظيمة في معناها، وجعلها في ضوء الكتاب والسنة للفرق بين (النصيحة والتعيير) .
والنصيحة في اللغة مأخذوة من (نصحت العسل إذا خلصته من شمعه والشوائب التي فيه) ، وفي الشرع له اصطلاح هي بذل الخير للناس بتنبيههم إلى فعل خير أو اجتناب شر، يعني توجيه الناس إلى فعل الخير، أو توجيه إلى التحذير من الشر.
والتعيير هو التنقص، عيره: أي تنقصه بنسبه، أو بصنعته، أو بشكله، أو بلونه أو نحو ذلك، وكل هذا محرم؛ ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر - رضي الله عنه - وهو من هو - فقال: أعيرته بأمه؟!
ولما قالت عائشة - رضي الله عنها وأرضاها، وأبغض من أبغضها وقلاها - لصفية ما قالت!، قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، الخلاصة أي لكانت - والعياذ بالله - يعني ملأت منها مياه البحار، مع أنها كلمة تابت منها - رضي الله عنها - ولا تعير عائشة بمثل هذه الكلمة، فإنها كلمة عابرة حصلت وقتَ غضب، وقد نصحها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقبلت النصح - رضي الله عنها وأرضاها -
والشاهد أن التعيير - من عير الشخص أي: تنقصه سواء: طعن في حسبه، أو نسبه - أو قبل ذلك في دينه - أو في بلده، أو في لونه، أو في شكله، أو في خلقه: وكل ذلك محرم، ولا يجوز الوصف بقصد التعيير والتنقص، فإذا اقتضى الأمر= الوصف لضرورة شرعية وجب الاقتصار على ما تدعو الضروة إليه: كوصف النبي - صلى الله عليه وسلم - لحال معاوية - رضي الله عنه - وحال أبي جهم - عندما خطبا إحدى نساء المسلمين - رضي الله عنها - عندما يعني عرضت نفسها، أو استشارت النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبتهما لها، ثم نصحها بأن تنكح أسامة بن زيد - رضي الله عنه -.
فالشاهد هو الفرق بين النصيحة والتعيير.
النصيحة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بضوء الشرع، بلا إفراط ولا تفريط، بالطرق المشروعة، وبحسب ما يقتضيه المقام، وبحسب حال المنصوح، وبحسب قوة أو درجة المنصوح منه، وبحسب إعلانه وإسراره، وبحسب اقتصار شر الأمر المنصوح منه على صاحبه، أو تعديه إلى غيره، يعني تراعى فيها اعتبارات عدة - سيأتي تفصيلها في أثناء كلام الشيخ - رحمه الله تعالى -.
(( المتن ) )
فإنهما يشتركان في أن كلًا منهما ذِكْرُ الإنسان بما يكره ذِكْرَه، وقد يشتبه الفرق بينهما عند كثير من الناس؛ والله الموفق للصواب.
(( الشرح ) )
يشتركان في أمر واحد، وهو أن النصيحة قد تكون بذكر ما يكره الإنسان، وكذا الحال في التعيير، فعندما يقال: فلان مبتدع، أو فلان عاصٍ، يختلف الحال من وضع لآخر، قد يكون الكلام سائغا في حال، وقد يكون ممنوعا إعلانه في حال أخرى، فيجب مراعاة مقتضيات تلك الأحوال. وكما قلت: سيأتي تفضيل هذا.
يعني يجب على الناصح أن يراعي مقتضيات الأحوال؛ وإلا تحول إلى تعيير وفضيحة، وليست نصيحة! إذا لم تراعَ الطرق الشرعية النبوية الواردة في طريقة النصيحة، والتفريق بينها وبين التعيير، حيث إن ثمة قاسما مشتركا بينهما في أنه قد يكون كلا منها ذكر لما يكره الشخص المنصوح، أو المعير، ولكن يختلف الأمر باختلاف الأحوال التي سيأتي تفصيلها - إن شاء الله - تبارك وتعالى -.
(( المتن ) )
(يُتْبَعُ)