فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
السبكي - محقا: (( معاذ الله، وأنا أبرئ السلف من ذلك، ولا أعتقد أن أحدا منهم قاله، وإنما روى عن بعضه كلمات تُتَأَوَّلُ كما تُتَأَوَّلُ المشكلات التي ترد، وتحمل على غير ظاهرها، فكما أن الآيات والأحاديث يقع فيها ما يجب تأويله، كذلك كلام العلماء يقع فيه ما يجب تأوله، ومن جاء إلى كلمات ترد عن السلف في ترغيب أو ترهيب أو غير ذلك، فأخذ بظاهرها وأثبتها أقوالا ضل وأضل، وليس ذلك من دأب العلماء، ودأب العلماء التنقير عن معنى الكلام والمراد به، وما انتهى إلينا عن قائله، فإذا تحققنا أن ذلك مذهبه واعتقاده نسبناه إليه، وأما بدون ذلك فلا، ولاسيما في مثل هذه العقائد التي المسلمون مطبقون فيها على شيء كيف يعمد إلى خلاف ما هم عليه، ينسبه إلى جلة المسلمين، وقدوة المؤمنين، ويجعلها مسألة خلاف كمسألة في باب الوضوء، ما أبعد من صنع هذا عن العلم والهدى، وهذه بدعة من أنحس البدع وأقبحها أضل الله من قالها على علم ) ) (20) .
6 -وفى ضوء ما تقدم من تحرير مذهب الإمام ابن تيمية في المسألة، وأنه قائل بدوام خلود عذاب الكفار ما دامت النار، وأن ذلك لا يقتضى دوام النار في نفسها، واختياره أن كل الآيات الواردة إنما هو في إثبات خلود عذابهم، لا في بقاء النار، ويترتب على هذا أن ما استدل به الجمهور تفصيلا على بقاء النار، يصير خارج محل النزاع على مذهب ابن تيمية، لاتفاق الكل - الجمهور ومن خالفهم - على دوام عذاب الكفار وخلودهم في النار، ويصير محل النزاع هو: أن هذه الآيات لا يلزم منها بقاء النار على رأى ابن تيمية، ويلزم منها بقائها عند الجمهور، وهو الصواب لأن الشارع بَيَّنَ في نحو قوله تعالى {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23] أن محل عذابهم في جهنم، وأن عذابهم دائم لا يفنى، فيلزم من دوام العذاب دوام محله، والقاعدة المقررة التى يتفق عليها الجميع بما فيهم الشيخ ابن تيمية نفسه أنه (( يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفى اللازم نفى الملزوم ) ) (21) ، وخبر المولى عز وجل لا يجوز تخلفه، فيصير التلازم الشرعى الذى أخبر به المولى تعالى مثله مثل التلازم العقلى لا ينفك، ولا يجوز تخلفه عن الحصول والوقوع، فالأصل في السمعيات - كما يقول الإمام البيضاوى والأصفهانى - أنها أمور ممكنة أخبر الصادق عن وقوعها فيكون حقا، مفيدا للعلم بوجودها (22) . وأيضا فإن المعنى الذى استنبطه ابن تيمية من هذه النصوص، وهو أنها تفيد دوام العذاب ولا تفيد دوام النار، وجعلها قاصرة على هذا يكر على معناها المتفق عليه - وهو خلود الكافرين ودوام عذابهم - بالبطلان، والقاعدة أنه (( يجوز أن يستنبط من النص معنى يزيد على ما دل عليه وهذا هو القياس المعروف، ويجوز أن يستنبط منه معنى يساويه وهو العلة القاصرة ومعنى يخصصه، ولا يجوز أن يستنبط منه معنى يكر على أصله بالبطلان ) ) (23) ، وما استنبطه من قصر المعنى على ما ذهب إليه يؤدى إلى عدم دوام عذابهم وعدم خلوده فَكَرَّ بذلك على معنى الآيات بالبطلان، فدل على فساد هذا الرأى.
أدلة القائلين بأن للنار أمدًا تنتهي إليه، ثم يُفْنِيها الله تعالَى، والجواب عليها (24) :
أولا: أدلتهم من القرآن الكريم:
وقد استدلوا بثلاث آيات:
1 -قول الله تعالى في سورة الأنعام: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللهُ} [128] .
2 -وقوله تعالى في سورة هود: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [106 - 107] .
والجواب على استدلالهم بهاتين الآيتين: أنه ليس المراد بالاستثناء في الآيتين الإخراج، وإنما هو استثناء معلَّق بالمشيئة، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول:"خالدين فيها خلودًا أبديًّا إن شاء ربُّك ذلك"؛ إذ كل شيء خاضع لمشيئة الله وإرادته، وكان من الجائز العقلي في مشيئته ألا يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم.
(يُتْبَعُ)