فهرس الكتاب

الصفحة 7712 من 20085

والغادر لما توصل بالنيل من عدوه بالطرق الخفية المحرمة فإن الله يعاقبه يوم القيامة بنقيض قصده، ففي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة، يُقال: هذه غدرة فلان بن فلان» .

قال المهلب - رحمه الله-: «الغدر حرام بالمؤمنين وبأهل الذمة، وفاعله مستحق لاسم النفاق وللعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (شرح صحيح البخاري لابن بطال5/ 362) .

وبهذا يتبين لك ذم من ينال من العدو بالغدر، في حين يراه من لا يزن الأمور بالميزان الشرعي بطلا ومجاهدا.

فشريعة الإسلام شريعة عدل، والله أمر بالعدل حتى مع الأعداء، ونهى أن تحملنا العداوة على استباحة كل حرام منهم، أو انتقاص حقوقهم، قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا) (المائدة: 2) ، وقال العلامة عبد الرحمن السعدي - رحمه الله-: «أي لا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم واعتداؤهم عليكم، حيث صدوكم عن المسجد، على الاعتداء عليهم، طلبا للاشتفاء منهم، فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله، ويسلك طريق العدل، ولو جُني عليه أو ظُلم واعتدي عليه، فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه، أو يخون من خانه» (تيسير الكريم الرحمن: 198) .

لا يُقاتل مع أئمة الغدر

سبق أن ذكرنا أن الجهاد يكون مع كل أمير من أمراء المسلمين سواء كان برا أو فاجرا، وهذا إنما يريد به العلماء ما يكون من فجوره ومعاصيه في خاصة نفسه، ففجوره في نفسه لا يُوجب تعطيل الجهاد، أما إن كان الأمير فاجرا في قتاله يستبيح الدماء المعصومة من النساء والصبيان والمعاهدين فلا يُجاهد معه، قال اللخمي - رحمه الله: ـ «لا أرى أن يغزوا معهم إذا لم يوفوا بالعهد» (الذخيرة: 3/ 404) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: «يُغزى مع كل أمير برا كان أو فاجرا إذا كان الغزو الذي يفعله جائزا، فإذا قاتل الكفار أو المرتدين أو ناقضي العهد، أو الخوارج قتالا مشروعا قوتل معه، وإن قاتل قتالا غير جائز لم يُقاتل معه، فيعاون على البر والتقوى ولا يُعاون على الإثم والعدوان كما أن الرجل يسافر مع من يحج ويعتمر، وإن كان في القافلة من هو ظالم.

فالظالم لا يجوز أن يُعاون على الظلم، لأن الله تعالى يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (المائدة: 2) ، وقال موسى عليه السلام (رب بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (القصص: 17) ، وقال تعالى (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) (هود: 113) -».

(منهاج السنة: 6/ 116ـ117) .

نماذج من وفاء المسلمين

الوفاء بالعهود، والسلامة من الدماء المعصومة دليل وُفور الإيمان وتحقيق التقوى، والأولون قد حققوا كمال التقوى والإيمان، وهو الأسوة والقدوة في السلم والجهاد، ولذلك أعلى الله شأنهم، وأظهرهم على عدوهم.

وأول من يُقتدى به سيد الأولين والآخرين نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لما ارتد عبد الله بن سعد بن أبي سرح وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمسك عنه طويلا لعل أحدا من أصحابه يقتله، فقال رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: هلاّ أومأت إليّ يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: «ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» (رواه أبو داود والنسائي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: «إسناد صحيح» وقصة ابن أبي سرح مما اتفق عليه أهل العلم واستفاضت استفاضة تُغني عن رواية الآحاد - الصارم المسلول: 109) .

وقال ابن القيم شارحا قوله عليه السلام «لا ينبغي لنبي خائنة الأعين» ما نصه: «أي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يخالف ظاهره باطنه، ولا سره علانيته، وإذا نفّذ حكم الله وأمره، لم يُوم به، بل صرح به وأعلنه وأظهره» (الهدي النبوي: 3/ 465) .

والنبي -صلى الله عليه وسلم- له عهود مؤجلة بأجل معلوم مع الكفار، وأخرى مطلقة، فالمؤجل بأجل حفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- عهودهم إلى أجلها إذا لم يصدر منهم نقض العهد، وأصحاب العهود المطلقة أمهلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة أشهر إيذانا بانتهاء العهد ونبذه إليهم حتى لا يفجأهم بحرب ولا يغدر بهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت