فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله-: «وهذا من كمال إنصاف دين الإسلام، لأن التعاليم السماوية والكتب الإلهية في غاية العدالة والإنصاف، حتى مع الكفار نهى نبيه أن يحاربهم وهم في غفلة من ذلك، بل أمره أن يُعلمهم وينبذ إليهم العهد علنا حتى يستوي الجميع في العلم بالحال الواقعة ليستعدوا للحرب والقتال، ولئلا يؤخذوا على غرة، فهذه مكارم الأخلاق والعدالة الكاملة، ولا شك أن هذا التشريع تشريع ممن هو عالم بأن أولياءه لهم النصر والظفر لا حاجة له في استعداد الكفار وعلمهم وقوتهم، لأنه يعلم أنهم مغلوبون مقهورون، وأن الدائرة عليهم وهذا معنى قوله (فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) (الأنفال - 58) ، (العذب النمير: 5/ 2027) .
ومن وفاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بعهوده وفاؤه لعهوده مع اليهود، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة صالح يهود بني قينقاع والنضير وبني قريظة، وغدرت بنو قينقاع أولا في السنة الثانية من الهجرة بعد غزوة بدر، فأجلاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وحفظ لبني النضير وبني قريظة عهودهم، ولم يحمله ذلك على تنزيل اليهود كلهم منزلة سواء، فلما غدرت بنو النضير بعد أحد عاملهم بما يستحقون من الغدرة، وبقي حافظا العهد لبني قريظة حتى غدروا بعد غزوة الخندق، فغزاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وظفر عليهم.
وإليك نموذج آخر مضيء من وفاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لعهودهم، قال حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه-: «ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل، قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذ علينا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» (رواه مسلم) .
الله أكبر كيف تحّرج حذيفة - رضي الله عنه - من القتال مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأي غزوة؟!! أول غزوة، غزوة بدر، وكيف وفى النبي صلى الله عليه وسلم للكفار عهدهم مع أنه في حالة حرب وعدد أصحابه قليل، أحوج ما يكون إلى كل رجل، فكيف إذا كان الرجل حذيفة -رضي الله عنه-؟!
ومن أمثلة وفاء المسلمين بعهودهم مع الكفار ما وقع من معاوية-رضي الله عنه- مع الروم، قال سليمان بن عامر: «كان معاوية يسير بأرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، وفاء ولا غدر، إن رسول الله -صلى عليه وسلم- قال: من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يُخلّن عقد ولا يشُدَّنّها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء، فبلغ ذلك معاوية فرجع، وإذا الشيخ عمرو بن عبسةـ رضي الله عنه -» (رواه أحمد: 4/ 11، وأبو داود: 3/ 190، والترمذي: 4/ 143، وقال: هذا حديث حسن صحيح) .
ومن أمثلة وفاء المسلمين ما حصل معهم لأهل قبرص، وهي جزيرة في البحر، بين أهل الإسلام والروم، قد كان معاوية-رضي الله عنه- صالحهم وعاهدهم على خرج يؤدونه إلى المسلمين، وهم مع هذا يؤدون إلى الروم خرجًا أيضا، فهم ذمة للفريقين كليهما، فلم يزالوا على ذلك حتى إذا كان زمان عبد الملك بن صالح على الثغور، فكان منهم حدث أيضا أو من بعضهم، رأى عبد الملك أن ذلك نكث لعهدهم، والفقهاء يومئذ متوافرون، فكتب إلى عدة منهم يشاورهم في محاربتهم، فكان ممن كتب إليه الليث بن سعد، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة وموسى بن أعين، وإسماعيل بن عياش، ويحيى بن حمزة، وأبو إسحاق الفزاري، ومخلد بن حسين، فكلهم أجابه على كتابه.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: «فوجدت رسائلهم إليه قد استخرجت من ديوانه، فاختصرت منها المعنى الذي أرادوه وقصدوا له، وقد اختلفوا عليه في الرأي إلا أن من أمره بالكف عنهم والوفاء لهم وإن غدر بعضهم، أكثر ممن أشار بالمحاربة» (الأموال: 185) .
(يُتْبَعُ)