فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن ذلك ما وقع سنة 587هـ حيث أغار لصوص للمسلمين على خيام العدو من الإفرنج، وسرقوا منهم حتى الرجال وخرجوا، وأخذوا ذات ليلة طفلا رضيعا له ثلاثة أشهر، فلما فقدته أمه باتت مستغيثة بالويل والثبور في طول تلك الليلة، حتى وصل خبرها إلى ملوكهم، فقالوا لها: «إنه - يعني سلطان المسلمين - رحيم القلب، وقد أذنّا لك في الخروج إليه، فاخرجي واطلبيه منه، فإنه يرده عليك، فخرجت تستغيث اليزك الإسلامي، وأخبرتهم بواقعتها، فأطلقوها وأنفذوها إلى السلطان فأتته وهو راكب على تل الخروبة، فبكت بكاء شديدا، ومرّغت وجهها في التراب، فسأل عن قصتها فأخبروه، فرقّ لها، ودمعت عينه، وأمر بإحضار الرضيع، فمضوا فوجدوه قد بيع في السوق، فأمر بدفع ثمنه إلى المشتري وأخذه منه، ولم يزل واقفا -رحمه الله -حتى أُحضر الطفل، وسُلم إليها فأخذته وبكت بكاء شديدا وضمته إلى صدرها، والناس ينظرون إليها ويبكون، فأرضعته ساعة ثم أمر بها، فحُملت على فرس، وألحقت بمعسكرهم مع طفلها» (الروضتين في أخبار الدولتين: 4/ 245) .
وكذلك لما نزل التتر بساحة بلاد الشام وأسروا مسلمين ويهود ونصارى، ثم افتك التتر أسارى المسلمين فقط، فخاطب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - غازان وقطلوشاه من التتر، ووالي المسلمين ليفتك أسرى اليهود والنصارى لأنهم كانوا في ذمة المسلمين، قال شيخ الإسلام - رحمه الله-: «وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى، وأطلقهم غازان وقطلوشاه، وخاطب مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين، قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس، فهؤلاء لا يُطلقون، فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا، والجزاء على الله» (مجموع الفتاوى: 28/ 617ـ618) .
الغدر سبب ظهور العدو
الغدر ضرره عظيم، وهو من كبائر الذنوب، وشريعة الإسلام شريعة عدل ووفاء، وربما زين الشيطان للبعض الغدر ومنّاهم أن هذا يوجب العلو والظهور على العدو، وهذا والله فيه حتفهم، فإن الله حرم الظلم وجعله محرما بين عباده، فالغدر عواقبه وخيمة، وهو سبب لوقوع الفتنة بين المسلمين أنفسهم، فعن عبد الله بن بريدة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقض القوم العهد قط إلا كان القتل بينهم» (رواه الحاكم وقال: على شرط مسلم ووافقه الذهبي) .
والغدر سبب لظهور العدو، قال ابن عباس - رضي الله عنهما-: «ما نقض قوم العهد إلا أُديل عليهم العدو» (ذكره مالك بلاغا ورواه الطبراني) .
قال القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله-: «كما أنهم إذا حكموا بغير الحق فاستطالوا على الناس، واستعدوا عليهم بالباطل، سلط عليهم من يفنيهم، كما أنهم إذا استعانوا على أعداء الله بنكث أيمان الله، قلب الله الحال وحكم بغلبة العدو لهم» (القبس في شرح الموطأ: 5/ 595) .
وكان سبب ظهور التتر المغرّبة على ديار المسلمين، بسبب غدر ملك المسلمين خوازرم شاه ببعض تجار التتر الذين دخلوا ديار المسلمين للتجارة فقتلوهم وأخذوا أموالهم ظلما، فانتصر لهم التتر ومسحوا ديار المسلمين وملكوها في سنة واحدة. (انظر الكامل في التاريخ: 12/ 358ـ371) .
وقال الحافظ الذهبي - رحمه الله-: «وكانت الخوارزمية فيهم ظلم وعسف وقبح سيرة» (دول الإسلام: 2/ 112) .
وقال العلامة عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - مبينا ثمرات الوفاء، ومحذرا من عواقب الغدر ما نصه: «فهذان الأصلان العظيمان وهما القيام بالقسط الذي هو العدل التام على الأنفس والأقربين والأبعدين، والأصدقاء والمعادين، والوفاء بالعهود والمعاقدات كلها من أكبر أصول الدين ومصالحه، وبها يتم الدين ويستقيم طريق الجهاد الحقيقي وتحصل الهداية والإعانة من الله، والنصر والمدافعة، فما ارتفع أحد إلا بالعدل والوفاء، ولا سقط أحد إلا بالظلم والجور والغدر، وبهذين الأصلين حصل للدين الإسلامي من العز والشرف والرقي وقهر الأمم الطاغية ما لم يحصل لغيره، وبهذه الروح روح الرحمة والعدل والوفاء وصل إلى مشارق الأرض ومغاربها، ودانت له الأمم المتباينة طوعا وانقيادا ورغبة، وبتركه انتقص الأمر، ولم يزل الهبوط مستمرا، إلا أنه يحصل نفحات في بعض الأوقات بها ينتعش الدين إذا
(يُتْبَعُ)