فهرس الكتاب

الصفحة 7715 من 20085

تشبثوا بشيء من هذه المقومات النافعة، لهذا تجد القوات والحضارات الهائلة التي يزعم أهلها أنها راقية في كل أحوالها لما كانت مبنية على الظلم والجشع والطمع وعدم المبالاة في ظلم الأمم الضعيفة وكانت إذا قطعت عهودها ونفذت معاهداتها لم تبال بعد ذلك وفت أو غدرت، وإنما تلاحظ أطماعها الخاصة وأغراضها الردية، ولسان حالهم يقول: السياسة مبنية على المكر والخداع والختر والغدر، لما كانت مع قوتها الهائلة مبنية على هذه الأصول المنهارة كانت هذه المدنية المزعومة، والحضارة المدعاة مهددة كل وقت بالفناء، والهلاك والتدمير، والواقع أكبر شاهد على ذلك، فلو أنها بنيت على الدين والحق والعدل واتباع الحق والوفاء بالمعاقدات ونصر المظلومين لكانت مدنية آمنة، ولكنها في الحقيقة مادية محضة، والقوة المادية إذا لم تبن على الحق فإنها منهارة لا محالة» (وجوب التعاون بين المسلمين 195 - 196، بواسطة مصادر الدين الإسلامي، أ. د سليمان أبا الخيل) .

خداع بلا غدر

فالذي لا مرية فيه أن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الفعلية تبين سنته القولية، وغزوات النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرة، وقد اجتهد صلوات الله وسلامه عليه بكل سبب للظفر على العدو في غزواته ومن ذلك مخادعته للعدو من غير غدر ولا نقض لعهد.

فمخادعته -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، وكذلك ما حصل في غزوة الأحزاب فقد جاء نعيم بن مسعود وهو من غطفان إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان نعيم بن مسعود عشيرا لبني قريظة في الجاهلية، وكان قد علم أن بني قريظة أرسلت إلى أبي سفيان وإلى من معه من الأحزاب يوم الخندق أن اثبتوا، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فلعلنا نحن أمرناهم بذلك) ، فقام نعيم بكلمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك من عند رسول الله ليحدث بها غطفان، وكان نعيم رجلا لا يملك الحديث، فلما ولى نعيم ذاهبا إلى غطفان أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أثر نعيم فدعاه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أرأيتك الذي سمعتني أذكر آنفا أسكت عنه، فلا تذكره لأحد) ، فانصرف نعيم من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى جاء عيينة بن حصين ومن معه من غطفان فقال لهم: هل علمتم أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- قال شيئا قط إلا حقا؟ قالوا: لا، قال: فإنه قال لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة، فلعلنا نحن أمرناهم بذلك، ثم نهاني أن أذكره فيكم، فانطلق عيينة حتى لقي أبا سفيان بن حرب فأخبره بما أخبره نعيم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأرسل أبو سفيان رسوله إلى بني قريظة وقال لهم: إنكم أرسلتم إلينا تأمروننا بالمكث، وتزعمون أنكم ستخالفون محمدا ومن معه، فإن كنتم صادقين فارهنونا بذلك من أبنائكم وصبحوهم غدا، قالت بنو قريظة: قد دخلت علينا ليلة السبت ولسنا نقضي في ليلة السبت، ولا في يومها أمرا، فأمهلوا حتى يذهب السبت، فرجع الرسول إلى أبي سفيان بذلك، فقال أبو سفيان ورؤوس الأحزاب معه: هذا مكر من بني قريظة فارتحلوا، فبعث الله عليهم الريح حتى ما كاد رجل منهم يهدي إلى رحله فكانت هزيمتهم. (زاد المعاد:3/ 272) .

قال محمد بن جرير الطبري - رحمه الله-: «وإنما الذي أذن فيه من ذلك - يعني الكذب - كالذي فعله بالأحزاب عام الخندق إذ راسلت يهود قريظة أبا سفيان بن حرب ومن معه من مشركي قريش، للغدر بمن في الآطام من ذراري المسلمين ونسائهم» (تهذيب الآثار:1/ 113) .

وقال أيضا: «ومن الخديعة التي أذن -صلى الله عليه وسلم- فيها في الحرب ما رُوي عن كعب بن مالك أنه كان إذا أراد غزوة قوم ورّى بغيرها» (تهذيب الآثار:1/ 116) .

وقال الطبري أيضا: «والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: إن الكذب الذي أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه في الحرب وفي الإصلاح بين الناس وعند المرأة يستصلح به، هو ما كان من تعريض بنجاته نحو الصدق، غير أنه مما يحتمل المعنى الذي فيه الخديعة للعدو إن كان ذلك في حرب أو مراد السامع إن كان في إصلاح بين الناس، أو مراد المرأة إن كان ذلك في استصلاحها وذلك كالذي ذكرنا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قوله في خديعة الحرب لنعيم بن مسعود: «فلعلنا نحن أمرناهم بذلك» وكقول مالك بن عبد الله الخثعمي: إنا داربون غدا درب كذا ثم يُصبح من الغد فيدرب غيره من

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت