فهرس الكتاب

الصفحة 7716 من 20085

الدروب، وذلك أنه لما لم يقل إنا داربون عند يومنا هذا فإنه متى أدرب بعد يومه، فقد أدرب غدا، لأن كل ما بعد يومه ذلك يُسمى غدا، وكذلك قول معاوية بن هشام: اللهم انصرنا على عمورية، وهو يريد غيرها من الكذب بمعزل، فما كان من تعريض على هذا الوجه فإنه جائز لا بأس به في الحرب» (تهذيب الآثار:1/ 1205) .

وقال أبو زكريا بن النحاس - رحمه الله-: «ومعنى قوله «الحرب خدعة» أي ينفض أمرها بخدعة واحدة، كذا قال الكسائي وأبو زيد ويُقال: خُدْعة، بضم الخاء والفتح أفصح، كذا قال الجوهري وغيره.

ويُروى أن عمرو بن عبد وُد، لما بارز عليا - رضي الله عنه - وأقبل عليه، قال له علي: ما برزت لأقاتل اثنين، فالتفت عمرو فوثب عليه علي فضربه.

فقال عمرو: خدعتني، فقال: الحرب خدعة.

وقد فعل مثل هذا الهادي أمير المؤمنين لما حمل عليه الخارجي، وليس عنده أحد، ولا معه سلاح فلم يتحرك من مكانه إلى أن قرب منه، فصاح: اضرب عنقه، كأنه يأمر أحدا من وراء الخارجي، فالتفت الخارجي إلى خلفه لينظر المأمور، فوثب عليه الهادي وثبة صار على صدره، وأخذ منه السيف، وذبحه به» (مشارق الأشواق: 1070) .

فهذا ما جرى من عمل المسلمين من الخدعة في الحرب، وليس معنى الخدعة في الحرب نقض العهود، وقتل من لا يجوز قتله من النساء والصبيان والرجال غير المقاتلين، قال الحافظ النووي - رحمه الله-: «واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل» (شرح صحيح مسلم:12/ 45) .

قال محمد بن عيسى بن أصبغ (ت: 620) : «فالخديعة والمكر في الحرب بطريق الإدارة والتدبير من العمل المشهور والسنة الثابتة.

لكن ربما التبس على بعض من رأينا أحوال يظنها من باب الخديعة الجائزة في الحرب، وهي قد تكون مما يتضمن الأمان الذي لا يسوغ أن يُخفر، فرأينا أن ننبه على فرق بينهما فنقول: إنه لما ثبت وجوب الوفاء وحظر الغدر، وتقرر في حد الأمان الأوصاف المقيدة في فصل التأمين قبل هذا، وثبت مع ذلك من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في إباحة الخديعة في الحرب، وفعله في ذلك ما ذكرناه، انقدح وتبين أن الخديعة المباحة هي كل ما يرجع إلى إجادة النظر في تدابير غوامض ذلك، وإدارة الرأي فيه ما يوهم العدو الإعراض عنه أو الغفلة دونه، وما أشبه ذلك من التقدم بكل ما يقع به من توهين العدو، أو تُلتمس فيه غرته، وإصابة الفرصة منه، على وجه لا يوهم الأمان، ولا يتضمن الإشعار بالأنس إليه على حال، فيدخل في ذلك التورية والتبييت وتشتيت بينهم، ونصب الكمين والاستطراد حال القتال لانتهاز فرصة المكر وما أشبه ذلك مما يرجع الأمر فيه إلى ما حددناه، وليس من ذلك أن يظهر لهم أنه منهم، أو جاء لنصيحتهم فإذا وجد غفلة نال منهم، هذا داخل في بلاد الأمان، لأن العدو يستشعر منه الموادعة والمؤالفة فيسكن إليه، فالإيهام عليه بمثل هذا لا يجوز وهو خيانة كما تقدم.

ونكتة الفرق أن اطمئنانه في هذا وأمثاله مما قلنا أنه يكون من باب الأمان إنما سبيل استشعار المسالمة والمؤالفة، فهو يستنيم إلى ما يعتقده فيه من الوفاء في ذلك ثقة به وبما ظهر إليه مما يدل عليه فلم يؤت هذا من تقلبه، بل من الآخر فيما أظهر من المؤالفة، وارتكب من الخيانة وفي أبواب المكر والخديعة إنما كان اطمئنانه لغفلة من نفسه، أو جهل في استشعار الغفلة والتقصير من الآخر، وما أشبه ذلك مما ترجع الغفلة فيه عن سوء نظره من غير خيانة تلحق الآخر في أمره، وهذا بيًّن، والحمد لله.

ولنمثل مسألة تكون بظاهرها من باب الأمان تارة ومن المكيدة الجائز فعلها تارة، ولا فارق إلا اختلاف عوارض اطمئنان العدو على القانون الذي رسمناه، وذلك لو أن رجلا من المسلمين أبصر حربيا في جهة ما من بلاد العدو أو غيرها فتظاهر المسلم بإلقاء السلاح، وأقبل على جهة الحربي فظهر له أنه رآه فقصده مستسلما أو مستنيما إليه ونحو هذا فاطمأن الآخر إلى ذلك، حتى أصاب المسلم غرته، فهذا لا تجوز به الخديعة وهو أمان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت