فهرس الكتاب

الصفحة 7720 من 20085

كيف ساغ لهم التصور بأن مذهبهم في تلك المسألة يعالج الفرقة التي يتصورونها ويقضى عليها والحال هكذا؟ ان أهل البلد الواحد في صيامهم على رؤية ثابتة عندهم، انما هم متوحدون مجتمعون في الحقيقة على تلك الرؤية وان خالف اجتماعهم هذا اجتماع أهل بلد أخرى بعدت أو قربت .. وهم بذلك يوافقون قوله صلى الله عليه وأله وسلم"صومكم يوم تصومون وفطرآم يوم تفطرون"أى مع

الجماعة كما فهمه أهل العلم .. أما ذهاب الذاهبين الى الائتمام برؤية مكة دون غيرها أو برؤية بلد

أخر وان خالفوا بذلك صوم كافة المسلمين الذين يعيشون في وسطهم، ثم اصرارهم على ذلك،

واخفاؤهم له وكأنهم يخفون دينا غير الدين، وما يجري فوق ذلك من مواقف عجيبة من كثيرين منهم، وابطالهم لصوم وفطر أهليهم في بيوتهم وتشديدهم في ذلك على جهالتهم، انما هو ما يرزع الفتنة ويغرس الفرقة والتخبط بين الناس، وليس السبب هو أخذ كل بلد برؤيتها المستقلة كما يظنون!

وبئس الفتنة تلك أن يرى بعض العامة واحدا من الاخوة الملتزمين أو من الدعاة أو طلبة العلم

الموثوقين، مفطرا مثلا في نهار رمضان، لأنه ليس رمضان عنده أو عند شيخه! أو أن يروه قد

تخلف عن التراويح أو امتنع عن الصلاة بالناس كما كان عهدهم به لذات السبب، وهو بينهم الداعية المفوه الحكيم، الداعى الى فضائل الأعمال والحاث عليها!

فان سألته قال لك"اتبع الحق لا تضيرك قلة السالكين ولا تغتر بكثرة الهالكين"!! .. وتسمع كلاما

من نحو ذلك فاذا به يكاد يهلك أمة كاملة بلسانه من حيث لا يشعر، وفى قضية هى أصلا محل

خلاف ونزاع علمى معتبر بين العلماء!!

اننا لا ننكر ما قد نبتلى به من الفتن من جراء اتباع الحق ونبذ الهوى وصد الناس عن سبل

الشيطان والمخالفات وانكار المنكر عليهم .. هذا أمر لا نمارى فيه ونسأل الله أن يثبتنا عليه .. ولكن

هل هذه القضية التى بين أيدينا هى قضية حكم قطعى يقينى وولاء وبراء وكذا؟ هل هى من قضايا الحق والباطل الذي اما أن ينجو به صاحبه موافقا للاجماع واما أن يهلك، والتى تستلزم المخالفة فيها الصبر على الأذى وعلى آل ما قد يقع من الفتن من جراء ذلك؟!

وان ناقشت أحدهم قال لك، هذه مسألة صيام وفطر في فريضة هى من أركان الاسلام .. فلا يعقل أن

يكون فيها خلاف! قلت ومن الذى قال أنه لا يعقل أن يكون فيها خلاف؟ أليست الصلاة والتى هى

عمود الدين، قد ساغ الخلاف بين أهل العلم في بعض المسائل الفرعية فيها، حتى في فاتحة الكتاب التي يعدها من يعدها من أركان الصلاة، ولا يراها غيره كذلك؟ هل ينكر بعضنا على بعض في هذا؟ ان الخلاف في هذه المسألة انما هو من جنس ذلك الخلاف .. ليس في أصول الفريضة وانما في فرع منها .. لسنا نختلف في وجوب صوم رمضان مثلا، أو في أنه يصام لرؤية الهلال دون غيرها، أو أن مدة الصوم هى من وقت الفجر الى الغروب ..

وكما أن النازل على يديه والنازل على ركبتيهفي الصلاة كل منهما نرجو أن تكون صلاته صحيحة، فان الصائم على رؤية بلده أو على رؤية أول بلد تثبت فيه الرؤية، فكلاهما صام لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته أيضا ونرجو من الله أن يكون كلاهما صومه صحيحا أيضا .. فلم يقع من أى من الفريقين مخالفة لنص أو لاجماع .. فسواءا أعتبرت باختلاف المطالع أو لم تعتبر فالأمر قد وسع الله فيه علينا ولله الحمد، كما وسع في كثير من الأمور ..

مسألة مسافة القصر

يعترض أصحاب القول بوحدة الرؤية على مسألة اعتبار اختلاف المطالع بقضية خلافية أخرى

نشأت في المسألة وهى قضية المسافة التى ينفصل بها بلد عن البلد الأخر وعلاقتها"بمسافة"

القصر"وغير ذلك .. وهى مسألة لا يلزم من الخلاف فيها الطعن في رجحان القول باعتبار اختلاف"

المطالع.

فان القائل منهم يقول أن القول باختلاف المطالع بين البلاد انما يلزم منه وقوع اضطراب عند الحد

الفاصل بين تلك البلاد .. فلا يعلم الناس أين تنتهى بلد وتبدأ الأخرى وما هى حقيقة الحدود

الجغرافية وما علاقتها بتعيين الحكم الشرعى، ومن وقف عند ذلك الحد، وخلا شهر شعبان، فبأى

رؤية لهلال رمضان يعمل؟ ومعلوم أن الحدود بين البلدان لا ترتسم على الأرض رسما بخطوط

فاصلة، وأن ذلك انما هو من مصائب الاستعمار وما أحدثه في بلاد المسلمين من تقسيم وتشتيت ..

ويجاب عن هذا والله أعلم بأن البلد في العادة انما تتميز بقرية أم، وقرى تابعة لها متصلة بها ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت