فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والناس يعرفون نهاية القرية بانتهاء أخر مسكن من مساكنها، وبداية الأخرى ببداية ظهور
مساكنها .. أو بغير ذلك مما يتعارفون عليه، وكل منهم يعد نفسه واحدا من أهل قرية يعلم حدها واهلها .. ولم تكن تتميز القرى في القديم بالحدود المرسومة على الأرض ونحو ذلك .. ونحن نميز
أننا دخلنا في قرية من القرى بعد مسافة من السفر غالبا، اذا ما بدأت مساكنها تظهر أمامنا، ودخلنا في وسط بيوت أهلها ومبانيهم .. ولو كان لهم سور وباب وولجنا من ذلك الباب فنحن حينئذ في المدينة أو داخل القرية .. والمسألة على كل حال انما مدارها العرف .. فما تعارف الناس على أنه نهاية المدينة أو البلد فهو نهاية البلد .. فلا داعى للتكلف في ذلك الأمر فوق ما يحتمله، سيما وأنه لن
يحدث أن يقف رجل فوق خط من تلك الحدود المرسومة المحدثة في زماننا، يضع أحد قدميه في بلد
والقدم الأخر في بلد أخرى ثم يتساءل عن أى الرؤيتين يصوم ويفطر!!
وقضية الحدود هذه لا اعتبار بها لمن هو في داخل مساكن البلد وبين أهلها .. ويعتبر حالا فيها .. ولا
فرق بالنسبة له بين بعد البلد المجاورة أو قربها في تمييز ذلك الأمر .. والأمر مرده الى ولى الأمر
الشرعى في كل الأحوال، وأهل كل بلدة يعلمون من هو ولى الأمر الشرعى فيهم .. فلا يخرجون
عليه ولا يسوغ لهم ذلك .. والمسألة خلافية من الأصل، والمسائل الخلافية يتبع فيها حكم القاضى
الشرعى أو ولى الأمر الشرعى ولا يلتفت معه الى غيره ..
فالأمر كما يظهر وان كان فيه خلاف، فان الخلاف فيه لا يلزم منه ترجيح أو رد قول القائلين
باعتبار اختلاف المطالع بين البلاد .. والله أعلم بالصواب.
علة الحكم باقرار الفريقين على عملهما في حديث كريب
وقد ذهب البعض من المتأخرين والمعاصرين الى أنه فيما مضى انما كان يصعب ابلاغ الناس
بالرؤية حال ظهورها في بلد من البلدان لأهل البلاد الأخرى .. أما اليوم فبوجود أجهزة الاتصال
صار الأمر سهلا ميسورا للغاية، ولا حاجة للاعتبار باختلاف المطالع ولا للكلام في قضية المسافة
ولا غيرها .. ونجيب بأن ذلك مداره النظر في علة القائلين بالاعتبار باختلاف المطالع ..
والحديث الحجة عند أصحاب القول باعتبار اختلاف المطالع انما هو حديث كريب في صحيح مسلم
وغيره والذى جاء فيه، عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته الى معاوية بالشام، قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في أخر الشهر ..
فسألنى عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما عن ذكر الهلال، قال: متى رأيتم الهلال، فقلت: رأيناه
يوم الجمعة .. فقال أأنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكننا رأيناه
ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه .. فقلت: أولا تكتفى برؤية معاوية وصيامه؟
قال: لا .. هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم"أهـ."
ولا يظهر من حديث كريب للمتأمل (وهو حجة القول باعتبار اختلاف المطالع) أن العلة في اختلاف
ما ذهب اليه كل من كريب في قومه وابن عباس في قومه هى تعذر بلوغ خبر رؤية أى من
الفريقين الى الفريق الأخر .. وليس في أدلة هذا الباب ما يشير الى ذلك المعنى أو الى غيره من
العلل التى اجتهد بعض أهل العلم في استنباطها ..
فلا يسوغ قول القائل بأنه بما أننا صار عندنا تليفونات وصارت تبلغنا أخبار الرؤية من أقصى
الأرض الى أدناها من فور ثبوتها، فاننا ما عاد لنا اليوم حاجة في أن يكتفى أهل كل بلد من بلادنا برؤيته! ذلك أنه لم يقم دليل صحيح على أن تعذر بلوغ الخبر بالرؤية هو العلة في الأمر .. والعجيب أن كثيرا من اخواننا القائلين بهذا الكلام، والمعولين على المحمول والاتصالات في ذلك والقائلين بأن العلة كانت تعذر ذلك، تراهم ومع ذلك يتمسكون برفض الحساب الفلكي جملة وتفصيلا. مع أن هذا القائل بلعة تعذر نقل الخبر يلزمه أن يقبل كلام القائلين بأن اختراع الأقمار الصناعية صار اليوم يمكننا من التأكد بكل دقة من يوم الميلاد الفعلى للهلال ويمكننا من رؤية صورته بمنتهى الوضوح والجلاء، فيغنينا عن رؤيته بالعين المجردة! وهذا كلام لا نقبله لأن النص صريح في أن الرؤية الملزمة بالصوم والفطر انما هى الرؤية العينية الطبيعية ولا دليل على جواز استبدال الحسابات الفلكية أو الأقمار الصناعية بها .. بل ان النبى صلى الله عليه
(يُتْبَعُ)