فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأله وسلم ثبت عنه أنه قال"انا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، والشهر عندنا هكذا وهكذا .."فكيف ينكرون على هؤلاء كلامهم في طرح الرؤية الى الحساب، مع كون هذا هو مذهبهم في علة الاعتبار باختلاف المطالع؟ انهم يريدون تعطيل الاعتبار باختلاف المطالع لوجود اختراع التليفونات، وهؤلاء يريدون
تعطيله وتعطيل الرؤية العينية معه لوجود اختراع القمر الصناعى! فهذه العلة كتلك مع زيادة عند أصحاب الحساب!
وابن عباس في الحديث قد بلغه أن معاوية وأهل الشام رأوا الهلال في ليلة الجمعة، في حين أن ابن
عباس وأهل المدينة رأوه في ليلة السبت .. فلو كان الحكم المستقر عند ابن عباس مؤداه أن الرؤية
الأسبق هى الأولى أينما كانت، كما يذهب عامة أنصار مذهب توحيد الرؤية، لأقر ابن عباس كريبا
على رؤيته (لأنها كانت أسبق ومن ثقات عدول) ولأوجب على أهل المدينة جميعا أن يقضوا ليلة الجمعة التى أفطروا فيها .. ولكنه لم يفعل، ولما سأله كريب"أولا تكتفى برؤية معاوية وصيامه"قال"لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم"ويكون وجه قوله"هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم"هو الاقرار لفعل كل من أهل الشام وأهل المدينة سواءا بسواء، وأن كلاهما يجزئ أهله وأنه سائغ مقبول ..
فالعلة ليست المشقة أو بعد المسافة أو تعذر بلوغ الخبر وانما العلة الظاهرة هى أن النبى أمر بذلك
ولم يأمر بخلافه .. ولو جاءنا تفصيل أمر النبى بنص مرفوع اليه صلى الله عليه وأله وسلم لعلمنا
العلة وأجريناها بلا خلاف، ولكن قضت حكمة الله ألا يصلنا في ذلك الأمر لفظ عن النبى صلى الله
عليه وأله وسلم .. فلا تظهر لنا علة بعينها لثبوت كل منهما على ما ذهب اليه أهل البلد الذى كان
فيه سوى أن ذاك هو موجب أمر النبى .. ولو كان الحق خلاف ذلك لألزم ابن عباس كريبا بالرجوع
الى معاوية وابلاغه بأنه قد صام يوما زائدا لأن الرؤية ما كانت قد ظهرت في المدينة بعد، أو للزم
ابن عباس الاكتفاء برؤية معاوية والعمل بها وهو ما يوجب عليه وعلى أهل المدينة حينئذ قضاء
يوم فاتهم من رمضان .. ولكن لم يحدث هذا ولا ذاك .. ولم ينكر أى منهما على الأخر .. ويلزم أي منهما الآخر بما كان من رؤية بلده، مع أن الأمر خطير للغاية، فهو يتعلق في الحقيقة بصوم أهل بلد كامل وثبوت صحته من فساده .. فلا يمكن أن يسكت ابن عباس عن أمر كهذا لو علم فيه مخالفة لأمر النبى صلى الله عليه وأله وسلم .. والحاصل أنه رضى الله عنه انما بين أن استقرار وبقاء كل منهما على رؤية بلده انما هو عين ما أمر به النبى صلى الله عليه وأله وسلم ..
ولا أرى اعتبارا بقول الذين ذهبوا الى أن قوله"هكذا أمرنا"أراد به ابن عباس الاشارة الى قوله
السابق"لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه"لأن تلك المسألة بعينها ليست هى مدار الحديث
أصلا وليست هى ما استعلم عنه كريب بالسؤال من البداية .. بل هى زيادة أضافها ابن عباس
تفصيلا منه ومزيد بيان .. أما القول بأن مراده رضى الله عنه كان قصر أمر النبى على ذلك المعنى
فهو تكلف لأمر ينتفى بالبداهة ..
فلو أنك قلت لى مثلا: الى أين أنت ذاهب الليلة، فقلت لك الى بيت زيد، فقلت لى وأين هو بيت زيد،
فقلت لك هو في طريق كذا، فسألتنى عن الطريق فبينت لك أن لى فيه حاجة، ثم قلت لى ألا تذهب
من طريق كذا بدلا منه؟ فقلت لك، لا، انما هكذا أريد .. أتفهم من هذا الكلام أن مرادى بقولى"هكذا"
أريد"هو الذهاب الى بيت زيد؟ أم أنه ارادتى لقضاء حاجة في الطريق المعين الذى وقع عليه"
اختيارى؟ الصحيح لا هذا فحسب ولا ذاك فحسب .. وانما الصحيح أنى أريد أولا معارضة اقتراحك
الأخير على بأن أخذ طريقا أخر، لأنى انما أريد طريقا بعينه لحاجة لى فيه، ليكون سبيلى لزيارة
بيت زيد، فلا يصلح لى العمل باقتراحك بسلوك طريق آخر اليه. هكذا يتوجه فهم كلامى ..
فالحاصل أن الكلام واضح في أنه لما سأله"أولا تكتفى برؤية معاوية"، قال له لا، أى أنه لا
يكتفى، وأشار بأن موقفه هذا، مع ما فصله فيه من قبل، انما هو ما أمر به النبى صلى الله عليه
(يُتْبَعُ)