فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأله وسلم، فليس يسوغ صرف هذا الكلام الأخير على تلك الجزئية الدقيقة بعينها دون غيرها بلا قرينة ظاهرة، وليست تلك الجزئية هى مادة النزاع في الكلام أصلا، وانما هى مشتمل عليها ضمنا .. فالظاهر المفهوم هو أن الرسول صلى الله عليه وأله وسلم أمر ابن عباس - أولا - بألا يكتفى برؤية تأتيه من بلد غير البلد التى هو فيها، وانما يعمل بما رأى أهل بلده، فيصوم معهم يوم يصومون حتى يروا هلال شوال والا أتموا ثلاثين يوما .. والله أعلى وأعلم
ولا أرى أيضا الاعتبار بقول بعضهم أن ابن عباس رضى الله عنه كان في تلك المسألة مجتهدا،
فهو لم يقل"هكذا أرى"أو"هكذا أظن"مثلا وانما قال"هكذا أمرنا"وهى كلمة تعنى بكل
وضوح أن ما عمل به ابن عباس وما حكم به في الأمر لم يكن من باب الاجتهاد الخاص به وانما
هو من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولا أحسب أن صحابيا حبرا عظيما كابن عباس رضى الله عنهما ما كان يحسن في كلامه بيان الفرق بين ما هو ظن منه واجتهاد وما هو أمر صريح من النبى صلى الله عليه وأله وسلم، أو أنه قد يطلق معنى الأمر الملزم على ما هو اجتهاد منه في الحقيقة .. كما أنه لا عبرة بقول من قالوا أنه رضى الله عنه كان يفهم - مستقلا بذلك الفهم - كلام النبى صلى الله عليه وأله وسلم في قوله"صوموا لرؤيته"على أنه خطاب لأهل المحل دون غيرهم، وأن هذا هو سبب ذلك الحكم منه، وأنه كان بذلك مخالفا لمراد النبى صلى الله عليه وأله وسلم .. فكلامه كان في بيان أن الأمر ليس لازما فيه أن يأخذ أهل بلدة برؤية غيرهم .. ولا أظن ابن عباس رضى الله عنه يتهاون في تحمل تبعة افطار أهل بلد كامل في يوم من أيام رمضان، على
أساس من اجتهاده هو، اذ يجعله في محل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .. هذا أمر بعيد
للغاية ..
وقد ذهب بعض العلماء الى الكلام في لفظة الاستفهام"أولا"وأنه لو كان هذا هو مراد ابن عباس
لكان من الأحرى أن يرد بقوله"لا .. ما هكذا أمرنا رسول الله"بدلا من"لا .. هكذا أمرنا ..". وسواءا
كان الحديث ب"ما"أو بغيرها فان المعنى لا يخرج عن القول بأن النبى لم يأمرنا بالاكتفاء برؤية
بلد أخرى .. لأن ابن عباس رد ردا صريحا بقوله"لا".. غير أنه يكون في تلك الحالة(يعنى لو قال
ما هكذا أمرنا)أقل بلاغة من قوله"هكذا أمرنا".. لأن قوله"هكذا أمرنا"انما يغطى بعمومه ما بينه قبل السؤال الأخير أيضا من أنه يلزمهم ان لم يروا الهلال أن يكملوا العدة ثلاثين يوما .. فهى بيان جامع لأن أمر النبى يشمل حقيقة أنه لا يكتفى برؤية بلد أخر، بالاضافة الى حقيقة أنه عليهم أن يصوموا حتى رؤية الهلال الجديد أو يكملوا صيامهم ثلاثين يوما ان غم عليهم ولم يروه .. كلتا الحقيقتين معا .. فكأنه يقول"كل ما بينت لك من قبل فهو أمر النبى صلى الله عليه وسلم".. أما لو قال"ما هكذا"لكان الأقرب الى الذهن أنه يجيب بالنفى على السؤال الأخير فقط فينفى أن يكون النبى قد أمر بالاكتفاء برؤية بلد غير بلد المحل، ولكنه لا يدخل حينئذ في ذلك المعنى ما كان من التفصيل الذى ذكره قبل ذلك .. ولا يبين دخول ذلك القول في أمر النبى صلى الله عليه وأله وسلم .. فالمعنى الذى اختاره ابن عباس رضى الله عنه، أشمل وأوضح لمن أراد استخراج أمر النبى صلى الله عليه وأله وسلم المشار اليه من جملة ما قاله ابن عباس في الحديث من الأقوال .. والله تعالى أعلى وأعلم ..
والخلاصة أنه قد التزم ابن عباس رضى الله عنه برؤية أهل المدينة ولم يلزم كريبا وأهل الشام
بها، ولم يخضع ابن عباس لما عمل به كريب في الشام مع معاوية ولم يلزم أهل المدينة به أيضا ..
ولم ينكر أحدهما على الأخر .. بل صرح ابن عباس بأن هذا هو أمر رسول الله صلى الله عليه وأله
وسلم .. وهو دليل واضح لكل ذى نظر، على أن النبى صلى الله عليه وأله وسلم كان يقر باختلاف
المطالع في رؤية الهلال ولم يكن يلزم بلدا برؤية بلد أخر ..
حديث الأعرابى
ويذهب أصحاب القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع الى الاستدلال بحديث الأعرابى:
قال سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما، تمارى الناس في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم اليوم وقال بعضهم غدا ..
فجاء أعرابى الى النبى صلى الله عليه وأله وسلم فذكر أنه رآه .. فقال النبى صلى الله عليه وأله
(يُتْبَعُ)