فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال الله تعالى: ?ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى?.
فيحتاج الإنسان أولا إلى أن ينفق جزءا من وقته في تعلم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يعلم أن تعلم ذلك أفضل من العمل به لأنه سابق عليه، ولهذا قال البخاري رحمه الله في الصحيح: باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى: ?فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك?، فيحتاج الإنسان إلى أن يتعلم الأحكام قبل الإقدام عليها، ولذلك أخرج البخاري في الصحيح تعليقا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: تعلموا قبل أن تسودوا، واختلف أهل العلم في معنى قوله: قبل أن تسودوا، فقالت طائفة: قبل أن يلجأ إليكم الناس، فإن الإنسان إذا تقدم به العمر، وصل إلى مقام السيادة، وهو أن يلجأ إليه الناس في أمورهم، وقيل: معنى ذلك قبل أن تتزوجوا، لأن الإنسان إذا أصبح رب بيت كان سيدا في بيته، وقالت طائفة أخرى: بل المعنى قبل أن تسود لحاكم أي قبل أن تنبت وجوهكم الشعر، فكل ذلك مما فسر به قول أمير المؤمنين رضي الله عنه، وهذا يقتضي من الإنسان الحرص على أن يتعلم أولا قبل أن يعمل.
ثم بعد هذا لا بد أن يكون ذالك العلم الذي يتعلمه مؤصلا أي أن يجد الإنسان ثبتا من الله تعالى فيما يأخذ به، لأن الإنسان إذا كان مقلدا يسمع قال فلان وقال فلان من الناس، لم يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن له بينة بينه وبين الله فيما يعمل به، أما إذا كان يبحث عن الدليل في كل ما يأخذ به من الأقوال والأفعال، وكانت أموره معتمدة مستندة على الوحي، فإنه حينئذ صاحب سلاح قوي، وهو متمسك بثبت من الله تعالى، فلا يخشى عليه أن يقول عند سؤال الملكين: هاه هاه، كنت سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، لأنه إنما يأخذ بالوحي، ولذلك يحتاج الإنسان إلى أن يكون مأخذه ومرجعه هذا الوحي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عند الله تعالى، فلا معدل عنه، ولا يمكن أن يخالفه أحد، ولا يمكن أن يرغب الإنسان عنه إلا إذا كان سفيها، فيحتاج الإنسان إذا إلى الرجوع إليه في كل الأمور، وأن يعلم أن كل حكم أو أمر لم يكن معتمدا على الوحي، ولم تقم عليه بينة من الله تعالى فهو رد على صاحبه، ولهذا قال الله تعالى: ?قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون?.
فالقول على الله بغير علم هو من أكبر الكبائر التي عدها الله في هذه الآية، وهذا يقتضي أيضا حرص الإنسان على الاستدلال على كل ما يسمعه فإن الإنسان إذا تبين الدليل وعرفه التزم ما أمر الله به في قوله: ?قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين?، وكان على ثبت، وقد أخرج أبو داود في السنن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أُفتي على غير ثبت فإثمه على مفتيه» ، فيحتاج إذا إلى أن يتصل بالله سبحانه وتعالى عن طريق الوحي الذي جاء من عنده، فإذا عمل عملا كانت البينة والثبت بين يديه، وهو حجة بينه وبين الله، وإذا لم يفعل وكان يتبع أقوال الناس، فأقوال الناس متعارضة متباينة فيها كثير من الخلل والخلاف، ولهذا قال الله تعالى: ?ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا?، فيحتاج الإنسان إذا إلى الرجوع إلى الوحي الذي هو من عند الله، لعصمته، ولأنه الذي يرضي الله وقد أرسل به نبيه صلى الله عليه وسلم، وإذا عرف الإنسان الأحكام بأدلتها جاء إلى المرحلة الثالثة، وهي أن يعمل بما تعلمه وعرف دليله، لأن العلم إنما هو سلاح ذو حدين تقوم به الحجة على من علمه إذا لم يعمل به، ولهذا قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن أخوف ما أخافه ألا تبقى آية آمرة إلا جاءتني فقالت: يا أبا الدرداء قد أتيتك آمرة فلم تأتمر بي، ولا آية زاجرة إلى جاءتني فقالت: يا أبا الدرداء قد أتيتك زاجرة فلم تنزجر بي، وأخرج عنه أبو عمر بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله أيضا أنه قال رضي الله عنه: إن أخوف ما أخافه أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فأقول: بل علمت، فيقال: ففيم عملت فيما علمت، ولذلك فهذا القرآن حجة ناطقة على الناس، كل من بلغه وسمعه
(يُتْبَعُ)