فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فقد قامت عليه الحجة به، لا بد أن يعلم الإنسان أن ما شرعه الله من الأحكام قد رتب الله بعضه على بعض وساقه في سياق لا يقبل التجزئة والتفريق، فالقيم الأخلاقية هي منبنية على الاعتقاد، فالاعتقاد هو أصل الأمر، أصل الأمر الإسلام، هذا الإسلام الذي آمنت به وصدقت ينبني عليه القيم الخلقية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» ، فالقيم الخلقية تنبني عليها القيم الاقتصادية والاجتماعية، ثم بعد ذلك تأتي القيم السياسية، وهي منبنية على القيم الاقتصادية والاجتماعية، وهذا الترتيب إذا فصله الإنسان وجزأه لا يمكن أن يستقيم له أمر من أمور دينه ولا من أمور دنياه، إذا أراد الإنسان أن يأخذ من الإسلام فقط جانب العقيدة والعبادة ويهمل الجوانب الأخرى فيأكل الربا ويوكله، ويتعامل مع الناس بالأخلاق التي يشرعها لنفسه، فيتبع بذلك خطوات الشيطان، ويكون في المجال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي مفصولا عن هذا الدين بالكلية، لا يمكن أن يصلح له شيء، ولا يقبل الله صلاته ولا طهارته ولا صيامه، بل لا يمكن أن تستقيم عقيدته أصلا، على ذلك، فلا بد من الرجوع المطلق لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ?فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم?، ثم بعد هذا كذلك أضرب مثالا لارتباط القيم الاقتصادية بالقيم الخلقية، لو أن ملكا من الملوك رتب عقوبة عظيمة على الربا، فقال: من أكل الربا فسأقتله، هل سينزجر الناس عن الربا بمجرد هذه العقوبة، مع أنهم يفشو فيهم الكذب ونقص الأمانة والإخلاف والحرص على الدنيا والحرص على عاجل أمرها، والغش والغبن وغير ذلك، إذا ترك هذه القيم الفاسدة في أخلاق الناس، ولكنه أراد أن يفرض عليهم العمل على مقتضى قانونه بالعقوبات هل سيطيعه الناس ويمتثلون لقانونه؟ لن يطيعوه بل سيحتالوا على الوصول إلى أهدافهم بلي عنق ذلك القانون أو الاحتيال عليه بالوساطة أو الرشوة أو غير ذلك.
ولهذا فإن القيم الشرعية في الاقتصاد ربطت بالخلق، فرتب الشارع هذه القيم أمرا ونهيا على الأخلاق، فجعل التزام الإنسان راجعا إلى مروءته وشرفه، وجعل إقراره مأخذا له فهو مرجعه ومخاطب به، وجعل عقود الناس متعلقة بعقائدهم، ?والموفون بعهدهم إذا عاهدوا?، ?وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم?، ?يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود?، ?ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون?، ?ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة?، فلذلك ربط الشارع هذه القيم بالقيم الخلقية، ليقتضي ذلك حرص الإنسان على الوفاء بالتزاماته لأنها من شرفه ومن مروءته، ومن خلقه، وما لم يكن الإنسان كذلك فلا يمكن أن يوثق بعمله، ولا يمكن أن يوثق بقيامه بالتزاماته ولا وفائه بديونه وأموره التي يغيب عليها، فلذلك يحتاج الإنسان قبل التعامل أن يحرص على تحقيق الأمانة، فهي شرط لكل الأمور، وهي أخت الدين، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له» ، وصح عنه أنه قال: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، فتعلموا من القرآن وتعلموا من السنة، وإنه سيسرى عليها فتنزع من القلوب، فيبقى أثرها كالوكت، كجمر دحرجته على رجلك فنفط وانتفخ، فتراه منتبرا وليس فيه شيء» ، وهذه الأمانة هي من الشرف والخلق، إذا كان الإنسان صاحب أمانة فسيوثق به بين الناس، وسيدل ذلك على حسن خلقه، وعلى صحة التزاماته ووفائه، وإذا كان صاحب إخلاف ولم تكن له أمانة فلا يمكن أن يثق أحد بتعامله ولا يمكن أن يودع ولا أن يتعامل معه بالديون، ويحوج إلى الزيادة في السعر عن طريق الدين وهو الربا، فحاجة الناس إلى ربا النساء سببها عدم حصول الثقة، لكن إذا كانت الثقة حاصلة، فكان الإنسان من المعلوم أنه سيقضي الدين في أجله المسمى المحدد، ولا يمكن أن يتأخر عنه يوما ولا ليلة، والثقة حاصلة به فلا حاجة لزيادة السعر عليه، لأنك قد ربحت بتقديرك عندما بعته بأكثر من الثمن الذي اشتريت به وحرصت على الوفاء في الوقت المحدد الذي تحتاج فيه إلى ثمن مبيعاتك، وكذلك الحال بالنسبة لكل الديون فالسلم والقرض وبيوع الآجال كلها إذا حصلت الأمانة والثقة لن يحتاج فيها إلى الربا بوجه من الوجوه لأن الربا إنما يقصد به
(يُتْبَعُ)