فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الناس الاحتياط لأموالهم عند انعدام الثقة، وإذا حصلت الثقة زال ذلك، فلذلك يحتاج المعامَل إلى تحقيق الأمانة قبل إقدامه على العمل، وهذه الأمانة تشمل الأمانة في كل الأمور، فأمانات الله لديك منها جوارحك، فلا بد من حفظها، ومنها كذلك ما ائتمنك عليه من أمور دينه، فأمور الدين التي ائتمنك الله عليها تنقسم إلى قسمين، إلى تكاليف خاصة، كل إنسان فيها مسؤوليته مباشرة، وهي مثل طهارة الإنسان وصلاته ونفقة أهله والقوامة على عياله، فهذه أمور على كل فرد من الأفراد مسؤوليتها المباشرة، والقسم الثاني: هو الخطاب العام المشترك وهو فروض الكفايات كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الدين وتبليغه إلى الناس والجهاد في سبيل الله ونحو ذلك، فهذه فرائض مشتركة على كل إنسان منها حظ، كل إنسان يجب عليه أن يشارك في القيام بها ما تيسر له ذلك وما استطاع، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
فيحتاج الإنسان إلى معرفة أنها أمانة لديه، وأنه مسؤول عنها بين يدي الله تعالى، إذا تذكر الإنسان أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بأمانة عظيمة يحملها من عند الله فأداها إلينا فحملناها في أعناقنا، وما منا أحد إلا وقَّع على الاستلام فكل إنسان منا بمجرد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قد وقع الوثيقة على الاستلام ورفعت إلى الله، فكانت بيعة بيننا وبين الله، أكدها الله في التوراة والإنجيل والقرآن، فقال تعالى: ?إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم?، فهذه أمانة عظيمة، وقد عرضت من قبل تنبيها لعظمها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، كما قال الله تعالى: ?إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا?.
ثم كذلك أمانات الناس لديك، وهي تشمل أسرارهم وعيوبهم التي تطلع عليها، وما تطلع عليه من أحوالهم التي لا يريدون إظهارها، فهي أمانة لديك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه» .
فلذلك تحتاج إلى حفظ أمانات الناس وأسرارهم ولو كنت لم يصرح لك بالأمانة فيها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدثك والتفت فقد ائتمنك» ، فمجرد الالتفات موذن بأنه يأتمنك على سره، وكذلك منها ديونهم، وبياعاتهم وأمورهم، فهي أمانة لا بد من الوفاء بها وأدائها على الوجه الصحيح، وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم برفع الأمانة وذكر أن الأمانة إذا رفعت فهي علامة من أشراط الساعة، وبين أنها سترفع حتى يقال: في بني فلان رجل أمين، في القبيلة كلها رجل واحد أمين، وبين كذلك أن من رفعها أن يوسد الأمر إلى غير أهله، أن يوثق بمن لا يستحق الثقة، فهذا من رفع الأمانة، أن يوسد الأمر إلى غير أهله، قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قلت: فما ضياعها، قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» ، فلذلك نحتاج إلى مراجعة هذه الأمانة قبل العقود كلها، وأن يمتحن الإنسان نفسه في الأمانة، فهي من تقواه، فإذا كان الإنسان يعلم أنه غير أمين فعليه أن يعالج هذا المرض الذي فيه كما لو علم أنه مصاب بداء عضال، أليس سينفق أمواله من أجل شفاء ذلك المرض وعلاجه؟ فكذلك إذا أحس بنقص في الأمانة سواء تعلق بجوارحه أو بطاعاته وعباداته، أو تعلق بمعاملاته مع الناس فلا بد أن يبادر لعلاج هذا المرض قبل استفحاله، وكذلك الحال في حق أقاربه، فمن له قريب، يعلم أن لديه نقصا في الأمانة، لا بد أن يبادر لعلاجه من هذا المرض قبل أن يستشري فيه، ومن هنا فإن الحق العام في ذلك ينبغي أن ترعاه الدولة، فمن عرف بنقص الأمانة لا بد أن تقوم الدولة برعاية تصرفاته حتى لا يغر الناس، وحتى لا يعاملهم معاملات يضيع فيها أملاكهم وأموالهم، ولذلك فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف على المنبر في خطبة له فقال: ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سابق الحاج، فادان معرضا، فأصبح قد رين به، فمن كان له عليه دين فليعد بالغداة
(يُتْبَعُ)