فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فلنقسم ماله بينهم بالحصص، فهذا رجل من جهينة كان يأخذ الديون فيشتري أسبق الرواحل ليسبق الحجاج في الرجوع إلى المدينة، ليقال: سابق الحاج، فكثرت ديونه ففلسه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا التفليس قد لا يضره في دينه وخلقه، لأن الإنسان قد يقع في مثل هذا النوع من غير قصد منه كما حصل لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، وأنتم تعلمون مكانته في الإسلام ومنزلته فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه أعلم أصحابه بالحلال والحرام، فقال: «أقرؤكم أُبَي وأقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» ، وذكر أنه يبعث يوم القيامة أمام العلماء برتوة، أي بمجرى فرس، يسبق العلماء به يوم القيامة، ومع هذا فقد فلسه النبي صلى الله عليه وسلم عندما تراكمت عليه ديون، وأنتم تعلمون قطعا أنها في غير مخيلة ولا سرف، دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أحضر لي ما تملكه، فجاء بحِلْس وقَتَب وقدح، ثلاثة أمور هي ملكه، ما عدا سيفه الذي يجاهد به في سبيل الله، فعرضها النبي صلى الله عليه وسلم للناس للبيع، وأراد بذلك أن يتسابق أغنياء المسلمين لقضاء دين معاذ، فكانت أول مزايدة في الإسلام، أول بيع يبيعه المسلمون مزايدة هو تفليس معاذ بن جبل، قال: من يشتري هذا القدح؟ من يشتري هذا القتب؟ من يشتري هذا الحلس؟ فبادر الناس كل يدفع فوق ما يدفع صاحبه حتى حصل من ذلك ما قضى دين معاذ» ، وهذا من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم وتدبيره، ومن هنا فإنه صلى الله عليه وسلم أيضا في نصيحته لفاطمة بنت قيس لما أمرها أن لا تسبق بنفسها إذا انتهت عدتها، فلما انتهت عدتها جاءت فقال: «من تعرض لك من الخطاب، فقالت: معاوية وأبو الجهم فقال: أما معاوية فرجل صعلوك، أي فقير ليس له مال، وأما أبو الجهم فلا يرفع عصاه عن عاتقه، ولكن انكحي أسامة بن زيد» ، فاختار لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد الحب ابن الحب.
وهذا النوع لا يقتضي نقصا في الخلق ولا في الدين كما رأيتم، ولكنه حفاظ على الأمانة العامة بين الناس، فكل من عرف أنه صاحب ديون، أو أن ذات يده عجزت عن سداد ديونه، فلا بد من ضرب قيد عليه ليلا يغتر به الناس فيعاملوه، فتذهب أموالهم، فأموال المسلمين معصومة كعصمة دمائهم، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أي يوم هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس البلدة، أي البلدة الحرام، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» .
فلذلك لا بد من الحفاظ على أموال المسلمين وعدم تضييعها وتعريضها للضياع، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أخذ مال مسلم يريد الوفاء به أعانه الله عليه، ومن أخذه يريد إتلافه أتلفه الله» ، فمن أخذ مال امرئ مسلم دينا وهو يريد الوفاء به أعانه الله على الوفاء به، ومن أخذه وهو يريد إتلافه أتلفه الله، ولذلك كان لزاما على كل إنسان أن يعرض نفسه على هذه القيمة من قيم الإسلام وهي قيمة الأمانة، وأن ينظر هل هو أمين في تعامله مع الناس، وهل هو وفي بالتزاماته، وهل هو محل للثقة، فإن كثيرا من الناس لا يقوم نفسه من هذا الجانب، وإنما يقوم الأطراف الأخرى التي تتعامل معه، فيقول: استدنت من فلان ومن فلان فلم يدينوني، وقد قال الشاعر:
أخذت بعين المال حتى نهكته
وحتى طلبت القرض عند ذوي الغنى
وبالدين حتى ما أكاد أدان
ورد فلان حاجتي وفلان
فمثل هذا النوع ينبغي للإنسان أن لا يقوم فيه الآخرين بل يقوم فيه نفسه أولا، فإن كان صاحب صدق ووفاء وأمانة وكان يسعى لقضاء ديون الناس فسيثقون به ويدينونه، وإن كان ليس كذلك فالعلة ليست من الناس بل هي منه، ولذلك عليه أن يعالج هذا المرض، قبل أن يتفاقم فيه.
(يُتْبَعُ)