فهرس الكتاب

الصفحة 7839 من 20085

إن خلق الأمانة خلق عظيم، لا بد من تحصيله قبل الإقدام على أي عقد سواء كان ذلك العقد ناضًّا أو كان دينا فهي تشمل العقود كلها، فالعقد الناض الذي لا دين فيه يمكن أن يخفي فيه الإنسان بعض ما يُكره، فيكون ذلك غشا وخداعا، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «مر بالسوق فرأى صبرة من طعام، أي طعاما قد صب بعضه فوق بعض، فأدخل يده في تلك الصبرة فأخرج منها بليلا أي ما مسه البلل، فقال: يا صاحب الطعام ما هذا؟ فقال: أصابه المطر، فقال: هلا أخرجته، فمن غشنا فليس منا» ، فلذلك يمكن أن يقع الغش ونقص الأمانة حتى في العقود التي ليس فيها دين، والديون كلها عرضة كذلك لعدم السداد وعدم الوفاء، فيحتاج الإنسان أولا إلى أن يعرض على نفسه لماذا يستدين، فإن كان ذلك في خيلاء أي زيادة رفاه يريد فقط زيادة الرفاه أكثر من حاجته فهذا الدين حرام لا يحل له اقتراضه، وكذلك إذا كان في مخيلة أي في خيلاء وكبر فهذا الدين لا يحل له اقتراضه، إنما يحل له اقتراضه في غير سرف ولا مخيلة، ولا كبر، فما يضطر إليه الإنسان من ضرورياته، أو ما يحتاج إليه من حاجياته وتكميلياته إذا كانت في غير سرف ولا مخيلة جاز له اقتراض الدين فيها، بشرط أن يكون عازما على الوفاء، وأن يحرص على أن يفي في الوقت المحدد ليوفي الله عنه ذلك.

أما هذه العقود المالية، فهي من أحكام الشرع التي رأيتم ارتباطها بالأخلاق والقيم، وهي من أهم الكسب وأنفعه، فقد أخرج الحاكم في المستدرك والبزار في مسنده، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الكسب أطيب، فقال: «عمل الإنسان بيده وكل بيع مبرور» ، فعمل الإنسان بيده هو أطيب كسبه، لأن الله أعطاه طاقة وأعانه على استغلالها، فإذا أنتج شيئا ولو كان حطبا يأتي به فيبيعه كان أطهر له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحكم حبله فيذهب إلى الجبل فيحتطب فيبيع حطبه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» ، فعمل الإنسان بيده هو أحل وأطيب كسبه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أكل امرؤ من كسب أطيب من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» ، نبي الله داود نبي ملك ملكه الله تعالى أنواع الأملاك، ومع ذلك كان لا يأكل إلا من عمل يده، وهذا مما يقتضي أن عمل الإنسان هو صدقة على جسمه واستغلال لطاقته، ثم بعد ذلك قال: «وكل بيع مبرور» ، فالتعميم هنا في قوله: كل بيع، يقتضي شمول ذلك، وهو مخرج للربا، لأنه ضد البيع، فقد قال الله تعالى: ?وأحل الله البيع وحرم الربا?، والبيع المبرور، أي الذي يصدق فيه صاحبه ويوفي، فهو من البر والبر الصدق فالبيع الذي فيه صدق ووفاء يصف فيه الإنسان مبيعه على وجهه، ويحدد فيه الثمن ويأخذه دون غش ولا خداع هذا بيع مبرور وهو من الكسب الطيب الحلال، ولذلك أحله الله تعالى على وجه العموم فقال: ?وأحل الله البيع?، وقد قال ابن العربي رحمه الله: دخل في عموم البيع في هذه الآية ثمانية وخمسون بيعا، وخرج منه ثمانية وخمسون بيعا، الثمانية والخمسون التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم بتفصيلاتها هي كل ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من البيوع، ورأى أن نظيرها أيضا هو ما أحل من أنواع البيوع، ومقصوده بذلك العقود المسماة، وهي في عدنا اليوم تجاوزت هذا العد فهي أكثر من ذلك بكثير اليوم، لأنها غير محصورة في عدد معين، والمرجع فيها إلى أصل الإباحة، فالعقود كلها مبناها على الإباحة، في الأصل إلا ما جاء النهي عنه، والنظر فيها هو إلى أركانها وشروطها، فما تحققت فيه الأركان الشرعية وشروطها كان عقدا صحيحا، وما خالف ذلك كان عقدا باطلا، ولهذا فإن العقود لا تحصر في هذا العدد بل تتجاوزه، وهي اليوم تصل بحسب العقود المعروفة إلى ثلاثة وسبعين عقدا، ومن أهمها وأعظمها فائدة اقتصادية واجتماعية عقد البيع، وهذا اللفظ وهو باع يطلق في مقابل الشراء فيقال: باع فلان كذا فاشتراه منه فلان بكذا، ويطلق كل واحد منهما على الآخر، فكل واحد منهما يسمى بيعا ويسمى شراء، وذلك لأن المدار على الرغبة والرغبة قلبية، وهي تتفاوت في الأشياء، فكل من البائع والمشتري راغب في ما يحرزه من الآخر، وإنما يختلف الحال باختلاف الثمن والقيمة، فالثمن تابع للرغبات، والقيمة تابعة للرقبات، الثمن هو تابع لرغبة المشتري، فيمكن أن يشتري هذا الجهاز بأضعاف سعره

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت