لأنه محتاج إليه ولم يجده إلا بذلك، فهذا ثمن لا قيمة، أما قيمة الجهاز فهي ما يباع به نظيره في السوق، فهذا الفرق بين الثمن والقيمة، أن الثمن راجع إلى رغبة المشتري، والقيمة راجعة إلى رقبة الشيء أي إلى حقيقة الشيء وسعره، فلذلك يعدل إلى القيمة عند الإتلاف، عند إتلاف المقومات، فكلها المرجع فيها إلى القيمة لا إلى الثمن، فإذا أتلف الإنسان سيارة لإنسان مثلا، فلا يرجع إلى الثمن الذي اشتراها به فيقال: قد اشتراها فلان بكذا وكذا أضعاف قيمتها، فلا عبرة بذلك فالعبرة بما تساويه في السوق، فهذا هو قيمتها، ولا عبرة بشرائها، لأن ذلك راجع إلى الرغبة والإتلاف لا يقوم باعتبار الرغبة، وإنما يقوم باعتبار الرقبة، أي رقبة المتلف.
وهذا البيع أحله الله سبحانه وتعالى، وحكمة مشروعيته العدل ونفي الظلم، لأن كل إنسان أعطاه الله تعالى ما لا يحتاج إليه ويحتاج إليه غيره، وهو بحاجة إلى التبادل مع ذلك الغير، وهذا التبادل لا يمكن أن يكون مقايضة دائما، لأنني أنا مثلا أملك سيارة وأنت تملك قلما، وأنا محتاج إلى القلم، وأنت محتاج إلى السيارة، فهل يمكن أن تستبدل القلم بالسيارة، ثمنهما متباعد جد ففي ذلك غبن واضح فيحتاج إذا إلى وسيط في التبادل وهذا الوسيط هو الثمن الذي لا يحقق مصلحة بذاته، فلا يؤكل ولا يشرب، ولا يلبس ولا يسكن فيه ولا يركب لا يحقق أية مصلحة بذاته، ولكن الله جعل عليه قبولا ليكون وسيطا في التبادل بين الناس، وأصل الأثمان الذهب والفضة وقد جعل الله عليهما هذا القبول، ففي كل زمان ومكان يصلحان للتبادل في الأشياء بالإضافة إلى ما يتفق الناس عليه من العملات، أيا كان نوعها، سواء كانت فلوسا من نحاس، أو كانت سككا من ورق أو من جلود، أو كانت قطعا من المعادن كالنيكل وغيره، ولهذا قال مالك رحمه الله: \"لو اتخذ الناس سكة من جلود لكرهت أن يتعاملوا بها نسيئة\"فإذا حصلت تلك الثقة فهي المعتبرة، ومن هنا فالنقود ليست قيمتها بقيمة الورق، فالأوراق قيمتها تافهة ضعيفة، وكذلك القطع المعدنية لا تساوي شيئا لو لم تكن مسكوكة بهذه السكة، وإنما قيمتها راجعة إلى مصداقية الدولة التي ضربتها وأخرجتها أو إلى رقم السحب الذي تصدره هيئات النقد الدولية، مثلا مؤسسة النقد الدولي تصدر أرقام سحب لكل عملة معترف بها، وهذه أرقام السحب هي قيمة العملات، والعملات بهذا تنقسم إلى ثلاثة أقسام، إلى عملات صعبة وهي التي تتجاوز مصداقية الدولة التي تصدرها حدودها، فالدولة التي تصدرها لديها أمور مرغوب فيها خارج حدودها، إما أن تكون سلعا تصدرها، وإما أن تكون خدمات تصدرها كخدمات الفنادق والسياحة والعلاج والتعليم وغير ذلك من الخدمات التي تقدمها الدول، فهذا النوع يسمى العملات الصعبة التي تعمل خارج حدود الدولة المصدرة لها، والنوع الثاني هو العملات السهلة وهي عملات للتبادل في داخل بلد واحد، لا يستطيع تصدير سلع ولا خدمات يحتاج إليها خارج حدوده، فالبلد الذي لا يصدر إلى الأسواق خدمات أو سلعا، عملته إذا صدرت ستكون محصورة على حدوده، لكنها ذات قيمة موازية لتلك العملات الصعبة وبها يقع التبادل بينها.
القسم الثالث من أنواع العملات هو الذي يسمى بالعملات المائعة، وهي التي ليس لها قيمة دولية، وإنما تعتبر بضاعة في داخل الدولة التي هي فيها، يتلاعب فيها أهل الأسواق بحسب ما شاؤوا، فإذا كانت العملات لا يحدد لها البنك المركزي في الدول التي لها بنوك مركزية أو مؤسسة النقد في الدول التي لها مؤسسات نقد، لا تحدد لها سعرا في البنوك الوسيطة أو في الأسواق، فهذه العملة تسمى مائعة، لأنها يتحكم في سعرها السوق، فميزان العرض والطلب للبضائع الخارجية هو المؤثر في سعر العملة، كالحال عندنا هنا فمثلا السلع لا تستورد بعملتنا المحلية، فلذلك سعر العملة المحلية تابع للسلع، ومن هنا فالغلاء الذي تسمعونه يحصل في بعض المواد، ليس غلاء في الواقع في تلك المادة، فالمادة في الواقع لم يرتفع سعرها ولهذا سعرها العالمي هو هو، لكن الواقع هو انخفاض فقط في سعر الوسيط الذي هو عملة الشراء المحلية، وبهذا يعلم أن الوسيط في التعامل قد ضيق الشارع في طلب الربح فيه، لأنه لا يحقق مصلحة من المصالح الكبرى التي تعهد الله بها لآدم في الجنة حين قال: ?إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى?، أربعة مصالح هي أصول المصالح والمنافع، المآكل والمشارب والملابس والمساكن، هي أصول المنافع كلها، وما سواها مكمل لها، فهذه المنافع ما يحقق واحدة منها هو الذي يحتاج إليه البشر، ويمكن الاستثمار فيه والإنتاج، ومن أنتج فيه شيئا نافعا لا بد من تشجيعه، وتشجيعه هو التوسعة عليه في الربح فيه، بخلاف صاحب العملة الذي يملك النقود فقط، يملك الكثير من النقود ما فائدة ما يملكه على المجتمع، وما مرجع ذلك في معاش الناس، ليس لذلك قيمة مباشرة، وإنما هو مجرد وسيط في التبادل، فلهذا ضيق الشارع الربح فيما يتعلق بتبادل العملات وبيعها، والصرف أضيق أنواع العقود، وسنخصص له من هذه السلسلة إن شاء الله حلقة متخصصة فيما يتعلق بالصرف وعمل الصرافات، والبنوك ونحو ذلك يتبع