فهرس الكتاب

الصفحة 7844 من 20085

الرشد: وهو إحسان الإنسان للتصرف، فالرشد هو إحسان التصرف، فإذا كان الإنسان لا يحسن التصرف في ماله فإنه لا ينعقد بيعه وذلك بسبب نقص في العقل أو عدم إدراك للواقع، فيقتضي سفها، فالإنسان الذي تقوى عاطفته على عقله، فإذا أحب شيئا بذل فيه أكثر من قيمته، وإذا كره شيئا أراد التخلص منه ولو بلا شيء هذا هو السفيه الذي عاطفته أقوى من عقله، والسفه سبب لرد التصرف، والشارع الحكيم حفاظا على أموال الناس رتب الأولياء للسفهاء، فكل سفيه له ولي يرعى مصالحه، إما أن يكون قريبا له أو أن يكون السلطان الذي يرعى مصالح الناس عموما، فالسفيه الذي ليس له ولي من آل بيته وليه السلطان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن اختلفوا فالسلطان ولي من لا ولي له» ، والسلطان المقصود به هنا القاضي، ومن يتولى أمر العامة، والسفيه عقده أيضا هو موقوف على رضا وليه، فإذا أقره صح العقد، وإذا رده بطل، فالعقد في الأصل صحيح ولكنه غير لازم، كما سبق. والشرط الرابع من هذه الشروط:

الحرية: فالمملوك في ماله حق لمالكه لأنه يستطيع اعتصاره منه وإن كان هو يملك فهو إنسان تام التصرف، وإنما حصل لديه نقص سببه الكفر، وذلك النقص الذي سببه الكفر جبره الشارع بأن رتب عليه حقا للغير وهذا الحق ليس كما يفهمه الناس مذلة وهوانا وخنوعا، ليس الحال كذلك، بل المملوك له حقوق مثل التي عليه تماما، وحقه الأخروي أكبر من حقه الدنيوي، فأجره مضاعف في كل ما يعمله، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، والعبد إذا أدى حق الله وحق مواليه» ، فهذا يؤتى أجره مرتين، فلذلك ليس الرق مهانة ولا أذى، ولا نقصا في الحقوق المدنية للإنسان وإنما هو مجرد نقص في الأصل سببه الكفر، واستمر بعد ذلك، ويقتضي الحفاظ على بعض الحقوق وترجيحها، وبمجرد الموت ينقطع هذا الحق فالميت في جنازته سواء كان في الأصل حرا أو لم يكن، فلا اعتبار في ذلك شرعا، لا فرق بينهما، وكذلك القبور لا فرق في قبورهم، بين من كان منهم متصفا بهذا الوصف ومن لم يكن متصفا به، وكذلك في البعث بعد الموت لا يبعث أحد عليه رق، فالناس جميعا حينئذ إما أشقياء وإما سعداء، فمن كان سعيدا فهو من أهل الجنة، ولا ينظر إلى حاله في الدنيا، ومن كان شقيا فهو من أهل النار ولا ينظر إلى حاله في الدنيا، ولذلك فتفاوت الناس في مثل هذا النوع من الأوصاف هو كتفاوتهم في المركب، إذا كان بعض الناس يركب في مقدم السيارة وبعضهم يركب فيها من الخلف، أليسوا سيصلون جميعا في وقت واحد، فإذا نزلوا من السيارة هل يقول أحدهم أنا الذي كنت في المقدم وأنتم كنتم في المؤخر، ولهذا يعلم أن أحوال أهل الدنيا متقاربة، وأن ما بينهم من الفروق، في الغنى والفقر والجمال والقبح والرق والحرية وغير ذلك كلها فروق ضعيفة جدا قليلة ووقتها قليل لا يساوي شيئا من أعمال بني آدم، فهي بمثابة الحجر، ولذلك فعقد المملوك موقوف على رضا وليه إلا إذا أذن له، فإذا كان مأذونا له في البيع والشراء، سواء كان ذلك الإذن عرفيا أو كان قوليا، إذا أذن له بالتصرف قولا أو رآه يتصرف فسكت فهذا مأذون تصرفه نافذ مطلقا، ولا يحتاج فيه إلى الرجوع إلى وليه بحال من الأحوال، أما إذا كان غير مأذون له في التصرف وكان يرد عقده فهذا الذي يحتاج إلى إمضائه فإذا أمضاه صح العقد وإذا لم يمضه لم يصح. والشرط الخامس من هذه الشروط:

الملك: أن يكون مالكا لما يتصرف فيه، والمقصود بالملك أن يكون صاحب تصرف مقبول شرعا، كالذي يملك الشيء المبيع بذاته ملكه، أو هو ولي لمالكه، أو هو وكيل عن مالكه، أو هو وال عام، فيتصرف فيه، فمثل هذا النوع هو الملك، ومن تصرف بغير ملك فهو الفضولي وهو منسوب إلى الفضول، والفضول هو ما لا يليق من الأقوال والأفعال، كل ما لا يليق من الأقوال والأفعال يسمى فضولا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، فتصرف الإنسان فيما لا يعنيه هو فضولي فيه، وتصرف الفضولي محل خلاف بين أهل العلم، فعند المالكية أنه صحيح غير نافذ إلا إذا سكت صاحبه، إذا علم به فسكت فإنه ينفذ، ولذلك فإن العلامة محمد بن محمد سالم رحمة الله عليهما كان في مسجده وهم يصلون صلاة العصر، فجاء مجنون فوقف في طرف المسجد، فقال: يا أهل المسجد:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت