فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أن يكون غير مجهول: أي أن يكون معلوما علما ينفي الجهالة والغرر، فالمجهول الذي لا يمكن أن يعرف لا يحل بيعه ولا شراؤه ولا العقد عليه، لحصول الغرر، والغرر حرام في العقود، وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الغرر، وجاء في ذلك عدد من الأحاديث الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الغرر، وذلك أن البيع في الأصل إنما شرع لإزالة الشحناء والبغضاء بين الناس، والغرر سبب للشحناء والبغضاء، فهو ضد الحكمة التي من أجلها شرع البيع، ولذلك فبيع الحمام في البرج وبيع الضالة والشارد ونحوه مما هو غير مقدور عليه داخل في الغرر، ومثل ذلك المجهول كبيع الحصاة والمنابذة والملامسة فكل ذلك من المجهولات التي لا يحل فيها البيع. والشرط الخامس من هذه الشروط:
القدرة عليه: أي إمكان تسليمه وتسلمه، فهذا شرط للمعقود عليه أيضا، فهو مخرج للمغصوب، فلا يحل بيعه ولا شراؤه إلا من غاصبه على القول بأن الغصب يزيل الملك، وهذا محل خلاف بين أهل العلم، فعند الحنفية أن الغصب يزيل الملك وأن الحرام لا يتعدى ذمتين، ومذهب جمهور أهل العلم أن الحرام يتعدى ذمتين، وأن الغصب لا يزيل الملك، ولذلك فإن المغصوب هو ملك لمالكه الأول والغصب لا يغير ذلك الملك، عند جمهور أهل العلم، فعليه لا يجوز شراؤه من مالكه لأنه غير قادر عليه إذ لو كان قادرا على تسليمه لأمكن استرجاعه، لكن يحل له فقط بيعه لمن غصبه منه، للغاصب، يحل بيع المغصوب لغاصبه، لأنه في يده، فيمكن أن يتسلمه، والغرر في ذلك يسير، لأن يده يد تعد، وهي يد ضمان، وبذلك فإن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، فوضع يده عليه في ذلك الوقت في وقت البيع باطل، فلذلك يمكن أن يباع منه، لأنه قادر على استلامه. والشرط السادس من هذه الشروط:
عدم حرمة العين: فإن كان المبيع حرام العين لا يحل أكله ولا شربه ولا الانتفاع به كالميتة والخنزير والخمر، فلا يحل العقد عليه مطلقا، ويدخل في ذلك ما كان طاهرا من الأعيان فالخنزير ما دام حيا لا يحل بيعه ولا شراؤه، وعند المالكية أنه طاهر في حياته، لأنهم يرون أن الحياة علتها الطهارة، فالشاة في حياتها طاهرة وإذا ماتت جيفة فإنها تنجس، فيرون أن الارتباط بين الطهارة والموت دليل على أن الحياة سبب للطهارة، ولذلك يقولون: الحي طاهر، ولو إبليس عليه لعنة الله، وقد سئل العلامة محمد بن محمد سالم رحمة الله عليهما عن فائدة هذا الحكم، ما فائدة طهارة إبليس؟ فقال: من تحكك عليه في الصلاة لم تبطل صلاته، فإبليس يمكن أن يخالط إنسانا في الصلاة، فإذا كان نجسا يبطل صلاة الناس، وعند الشافعية والحنابلة أن الخنزير نجس كالكلب فيرون أن الكلب نجس في حياته وبعد موته مطلقا، بخلاف المالكية، فإنهم يرون أن الكلب طاهر، وتظهر ثمرة الخلاف في الكلب إذا صب عليه الماء فإنه ينتفض فإذا تطاير شيء من بلله على إنسان تنجس عند الحنابلة والشافعية ولم يتنجس عند المالكية، وعلى مذهب الشافعية والحنابلة قول الشاعر في وصف أحد الولاة يقول فيه:
ما ازددت حين وليت إلا خسة
ته كل تيهك بالولاية والعمل
كالكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل
والمالكية يرون طهارته، وأنه طاهر العين، ولذلك فإن إراقة الماء الذي ولغ فيه وغسل الإناء سبعا تعبد عند المالكية وتطهير تعللي عند غيرهم، فالمالكية يرون أن الطهارة لو كانت تعللية لكفت فيها الغسلة الواحدة المنقية، أو ثلاث غسلات منقية عند الشافعية والحنابلة، فالمالكية تطهر عندهم الغسلة الواحدة المنقية، والشافعية والحنابلة تطهر عندهم ثلاث غسلات منقيات إلا من نجاسة الكلب والخنزير، فعند الشافعية والحنابلة أنها لا بد فيها من سبع غسلات، إحداهن بالتراب، وعلى هذا فالخنزير عند الشافعية والحنابلة مثل الكلب تماما، وهنا يدخل في حياة الناس اليوم أن كثيرا من النعال ومن الأحزمة هي من جلود الخنازير، ولكنها دبغت، فهل يحل بيعها وشراؤها؟ وهل تجوز الصلاة بها؟ وهل يجوز المسح عليها إن كانت خفافا؟ وهي منتشرة في الأسواق، كثير مما يباع في الأسواق وبالأخص مما أتى من مدينة ميلانو من إيطاليا من الجلود فكثير منه يدبغ من جلود الخنازير، فهذا محل بحث، وقد ذكر الأمير الصنعاني أن في المسألة أحد عشر مذهبا، في جلد الخنزير وحده، أحد عشر مذهبا لأهل العلم في هذه المسألة، ولذلك فإن الذين يرون طهارة الجلد بالدباغ مطلقا منهم من يعمم فيقول يشمل ذلك جلد الخنزير وغيره، ومنهم من يقصره على غير الخنزير، كالمالكية ولذلك قال خليل رحمه الله: ورخص فيه مطلقا إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء، وعند الحنفية أن الخنزير لا جلد له أصلا فجلده من لحمه وهو رجس وعليه فجلده يأكله النصارى كما يأكلون لحمه فهو مثل لحمه، و عليه فهو مما لا يطهر بالدباغ، لا لأن الجلد لا يطهر بالدباغ ولكن لأنه هو غير جلد، بل هو لحم، هذا تعليل الحنفية.
وعلى هذا فإن ما كان منهيا عنه لذاته، فلا يحل بيعه ولا شراؤه، ومثله المحرم المشرف على الموت كالحمار الأهلي، إذا أشرف على الموت فليس فيه انتفاع لأنه لا ينتفع بالذكاة، فلا يطهر جلده ولا عظامه، ولا ينتفع بشيء منه، فلا يحل بيعه ولا شراؤه، واختلف فيما فيه نفع لبعض الناس دون بعض، كالحياة والعقارب فإن فيها نفعا لأهل المعامل والمصانع لأن السم الذي فيها نافع في العقاقير والأدوية، وهذا الخلاف نظيره الخلاف في الخمر أيضا هل هي نجس بذاتها، أو لا فمذهب جمهور أهل العلم أنها نجس، وذهب آخرون إلى أنها محرمة غير نجس، واتفق على أن الحشيش طاهر حرام.
بهذا نكون قد أتينا على خمسة عشر شرطا هي شروط البيع، وبهذا نكون قد أتينا على الأركان والشروط، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وأسأل الله تعالى أن يجعل ما نقوله ونسمعه حجة لنا لا علينا وأن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وسنواصل إن شاء الله في الحلقات القادمة في العقود.