فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الانتفاع: أي أن يكون منتفعا به شرعا، فما لا نفع فيه، فإنه لا يجوز بيعه ولا شراؤه، والمقصود بالنفع هنا ما كان نفعا شرعيا معتبرا، فكثير من الناس يظن أن التدخين فيه نفع وهو أنه يجلب له الزبائن، يظن هذا نفعا شرعيا، وهذا النوع ليس نفعا شرعيا، فالمعتبر النفع الشرعي المتعلق بالمادة ذاتها، ودليل هذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في شحوم الميتة، فإنه «نهى عنها، فقالوا: يا رسول الله إنها تطلى بها السفن، فسألوه الترخيص فيها فقال: لا هو حرام، ثم قال: لعن الله اليهود لما حرم الله عليهم الميتة أخذوا شحومها فجملوه فباعوه فأكلوا ثمنه» ، وجملوه معناه أذابوه، والمقصود به الشحم، فأعاد الضمير إليه مذكرا باعتبار الجنس، وهذا يدل على أن الاحتيال لا يبيح ما احتيل لإباحته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنهم احتالوا على الشحوم لما حرمت عليهم أكلوا ثمنها، وثمنها ليس هي، فهذه حيلة، للانتفاع بها عندما حرمت عليهم، فدل هذا على إبطال الحيل في الأصل، وبالأخص ما لا نفع في ذاته حتى لو كان النفع فيه لوجه آخر كطلاء السفن ودهن الأواني والأسلحة بالشحوم فإنه لا يبيحها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا هو حرام» ، وصرح بذلك، ثم ذكر السبب فقال: «لعن الله اليهود حين حرم الله عليهم الميتة أخذوا شحومها، أو حين حرم الله عليهم الشحوم جملوه فباعوه فأكلوا ثمنه» ، فبين أنهم لعنوا بسبب هذا التصرف، فإذا لا بد أن يكون المعقود عليه منتفعا به نفعا شرعيا في المآكل أو المشارب أو الملابس أو المساكن ومثل المساكن المراكب فهي من جنس المساكن. الشرط الثالث من شروط المعقود عليه:
أن يكون غير منهي عن بيعه: فإن كان منهيا عن بيعه شرعا فلا يحل بيعه، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الكلاب، فنهى عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي، وجاء في سنن أبي داود وغيره أنه نهى عن بيع الكلب فقال: «فإن جاء يطلب ثمنه فاملؤوا له كفه ترابا» ، واختلف أهل العلم هل هذا شامل لجميع الكلاب أو يخصص فيخرج منه كلب الصيد لأنه يحل اقتناؤه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في اقتناء كلب الصيد، والله تعالى أذن في اقتنائه في قوله: ?وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم?.
فهذا دليل على جواز الاقتناء لكن هل يدل على جواز البيع؟ محل خلاف بين أهل العلم، فذهب سحنون من المالكية إلى جواز بيع كلب الصيد وقال: أبيعه وأحج بثمنه، وأحج بثمنه يقصد المبالغة في طهارته، في جواز ذلك لأنه إذا جاز اقتناؤه والانتفاع به جاز بيعه.
ومذهب جمهور أهل العلم عدم الارتباط بين حل الانتفاع وحل البيع، لأن جلود الميتات يرخص فيها شرعا بالدبغ، ومع ذلك عند المالكية لا يحل بيعها، وسحنون نفسه يوافق على ذلك، فسحنون يرى أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ولكنه يرخص فيه في اليابس والماء، ورخص فيه مطلقا إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء، وفيها كراهة العاج والتوقف في الكيمخت، فإذا كان الجلد يرخص فيه في الماء واليابس ولا يجوز بيعه، يدل هذا على أن الانتفاع والبيع غير مرتبطين، فيجوز أن يكون الشيء مقتنى منتفعا به، لكن لا يحل بيعه مع ذلك، ونظير هذا المصاحف فعند الحنابلة لا يجوز بيع المصحف مطلقا، لأن الله تعالى نعى على أهل الكتاب بيع آيات الله بثمن قليل، فدل هذا على منع بيع المصحف مطلقا، ومع ذلك فيجوز اقتناؤه والانتفاع به، بل مما رغب فيه الشارع أن يورث الإنسان مصحفا.
ومن المنهي شرعا عن بيعه في مثل هذا النوع آلات اللهو، فإنها يحرم الانتفاع بها حتى إذا كانت تكسر فينتفع بها بعد كسرها في أشياء أخرى، فإن جمهور أهل العلم على تحريم تملكها مطلقا واقتنائها وبيعها وشرائها، وعلى أن متلفها لا يلزمه شيء، إذا أتلفها الإنسان لم يلزمه شيء شرعا، خلافا للحنفية وحدهم، فعند الحنفية أنها يمكن الانتفاع بنقضها أي ما كسر منها، وعليه فمن أتلفها تلزمه قيمتها.
الشرط الرابع من شروط المعقود عليه:
(يُتْبَعُ)