فهرس الكتاب

الصفحة 7847 من 20085

فالله هو أرحم الراحمين، وقد اختار لعبده هذه العقوبة لزجره ولتكفير ذنبه، فلذلك لا تزرع له يده مرة أخرى ولا يد إنسان آخر.

أما زراعة اليد فيمن حصل عليه حادث سير ففقد فيه يده فهذا محل بحث لأن اليد في الغالب ليست محل ضرورة وبالأخص بعض الأصابع مثلا، فليس هذا محل ضرورة، فهل يمكن إرجاعها وهي جيفة قد تنجست بانفصالها، فما انفصل عن الحي فهو ميتة كما في الحديث، هذا محل بحث.

أما ما كان لمجرد التجميل كزراعة قشرة الرأس التي ينبت فيها الشعر للأصلع، فهذا النوع مما لا يجوز قطعا، لأنه ليس مضطرا إليه ولا محتاجا إليه، وهو مجرد تجميل في غير محل الحاجة، فالصلع ليس عيبا ولا عارا، فالخلفاء الراشدون ثلاثة منهم صلع، كان أبو بكر أصلع وعمر أصلع، وعلي أصلع، فالصلع ليس عيبا، وإنما يحصل من التفكير، من كثرة التفكير وإعمال العقل، فليس إذا عيبا ولا عارا، فلذلك لا يحتاج إلى زراعته. ولذلك فمحمد مولود رحمه الله يقول:

وامنع دواء باطن الأجساد

بنجس واختلفوا في البادي

وامنع دواء باطن الأجساد بنجس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» ، واختلفوا في البادي أي ظاهر البدن، إذا كان في الإنسان جرح مثلا هل يمكن أن يعالج بالبول، فالبول من أشفية الجروح، لأن فيه مادة اليوريا تعالج القروح والجروح فلذلك يمكن أن يعالج بها الحرق، فهل يجوز العلاج بها أم لا؟ محل خلاف بين أهل العلم، ونظير ذلك إحراق الحصير الذي قد تكون جلوده في الأصل من جلود الميتة، فإحراقه لعلاج الجرح برماده هو أيضا محل خلاف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، لما جرح يوم أحد، أحرقت فاطمة رضي الله عنها حصيرا، فأخذت رماده فجعلته على الدم فرقأ، فهذا النوع من العلاج في الظاهر، إذا كان بما فيه جلد ميتة أو نحو ذلك هو محل خلاف، ومحل ذلك الخلاف في غير الضرورة، أما الضرورات فقد ذكرنا أنها خارجة عن التكليف. إذا هذا الشرط الأول في المعقود عليه أن يكون طاهرا.

ويخرج بذلك الأنجاس كلها، فلا يستثنى منها إلا السرقين وهو السرجين أي السماد الذي يجعل على الزرع، فيحتاج إليه في إصلاحه، فهذا الزرع به طاهر، الزرع إذا وضع عليه السماد النجس فنبت منه فالزرع طاهر، وقد صح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يجعل النجس على زرعه، فقيل له في ذلك، فقال: المكتل منه باثنين، أي أنه يقتضي زيادة ونماء، وهذا هو السماد غير المعالج كيميائيا أما إذا عولج بالكيمياء فانقلبت حقيقته وأصبح مادة أخرى، فهذا محل بحث آخر وهو بحث الانقلاب، إذا حصل الانقلاب في العين، هل تبقى على حكمها الأصلي أو تعود إلى حكم جديد وهذا قاعدة فقهية معروفة وهو تأثير الانقلاب، وقد نظمها الزقاق في المنهج في قواعد المذهب المالكي فقال:

وهل يؤثر انقلاب كعرق

ولبن بول وتفصيل أحق

وهذه القاعدة فروعها كثيرة، منها ألبان الجلالات ولحومها، الحيوانات التي تأكل الأنجاس، هل يحل شرب لبنها وأكل لحمها؟ هذا محل خلاف، فإذا كان الانقلاب مؤثرا فألبانها طاهرة ولحومها طاهرة بذكاتها، وإذا كان الانقلاب لا يؤثر فإن اللحوم والألبان قطعا ناشئة عن التغذية، فلذلك تكون تبعا لها، ومثل هذا الخمر إذا تخللت، أو خللت أو تحجرت أو حجرت محل خلاف بين أهل العلم، ومن ذلك ما يطبخ منها، فالخمور في العالم الغربي اليوم وبالأخص في الوجبات السريعة توضع فيها مثلا، فهمبرغر أو غير ذلك من الأخباز مثلا الوجبات الخفيفة السريعة يضعون فيها الخمور في تحضيرها، ولكن يزول الإسكار بالطبخ، ومحل الحرمة الإسكار لأنه علة التحريم، فإذا زال الإسكار لم تبق علة التحريم، ومن هنا فالمطبوخات التي في أصل صناعتها الخمور الراجح فيها الجواز، لأن الطهارة حصلت بمجرد زوال الإسكار، لكن لا يحل للمسلم الإقدام على ذلك، لا يحل للمسلم أن يخلل الخمر أو أن يجمدها حتى تطهر، لأنه أمر بإراقتها ولو كان يجوز ذلك لما أراقها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حرمت، فأراقوها فامتلأت بها الشوارع في المدينة إذ ذاك.

إذا هذا الشرط هو الشرط الأول من شروط المعقود عليه وهو الطهارة، أما الشرط الثاني من شروط المعقود عليه فهو:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت