أما اليأس من رحمة الله فهو من المستحيل على الأنبياء لعصمتهم، ولأنه من أعظم الذنوب واكبرها.
والصائمون يقعون في كثير من أنواع الأخطاء ومنها الأخطاء المفسدة للصيام، فبعضهم يسمع بعض الأحاديث فيحملها على محامل ليست على وجهها فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يمنعنكم أذان بلال من طعامكم حتى يؤذن بن أم مكتوب، وفي رواية إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم، وكان رجلا ضريرا لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت، فكثير من الناس يسمع هذا الحديث فيظن أن أذان المؤذنين جميعا مثل أذان بلال فيستمر على طعامه وشرابه بعد أن يسمع الأذان، ويكون هو ليس من أهل معرفة الوقت، بل يكون في داخل غرفته ولم يخرج حتى ينظر إلى طلوع الفجر ولم يكن من أهل الاجتهاد في معرفة الوقت فيقع في خطإ مفسد للصيام حين أكل بعد سماع الأذان أو شرب، وكذلك نظير هذا أيضا استعجال الإنسان في حال الإفطار فإن بعض الناس عندما يرى سوادا في الأفق أو ظلاما يفطر مباشرة دون أن يتحرى غروب الشمس وتأكد الغروب، والإنسان الذي هو في داخل غرفة لا يستطيع التأكد من الغروب، والاعتماد على أصوات المؤذنين من الأمور التي فيها كثير من المجازفة، فكثير من المؤذنين أيضا إنما يعتمد بعضهم على بعض، فإذا سمع أذانا أو رأى مجرد الوقت الذي كان يؤذن فيه قبل أيام اعتمد على ذلك فأذن في نفس الوقت، وبعض الناس يكون أذانه من أول الشهر إلى آخره في نفس الوقت وهذا خطأ فالوقت يتجدد في كل يوم، إما أن يزيد وإما أن ينقص بحسب حال الزمان، وكذلك من الأخطاء التي يقع فيها الصائمون وهي مبطلة للصيام أيضا ما يحصل لدى كثير من الذين لا يخافون الله سبحانه وتعالى من تعريض أنفسهم للفتنة ومخالطتهم للشهوات بحيث لا يستطيعون إمساك أنفسهم عنها، فيقعون في الحرام، في انتهاك حرمة الشهر، فمخالطة الإنسان لأهله والرفث إليهم والتلذذ في حال الصيام كثيرا ما يوقع الإنسان في حال لا يستطيع معه الكف فيفسد صيامه، وشر ذلك وأعظمه هو ما كان نعوذ بالله في حرام في ما لو كان في غير الصيام كان حراما وهذا أعظم وأشد، وقد جلد علي رضي الله عنه شابا زنى وهو صائم في رمضان، فجلده عشرين سوطا زيادة على الحد، فالحد مائة جلدة فزاده عليها عشرين سوطا لانتهاكه لحرمة رمضان، وكذلك روي عنه أنه جيء بشارب قد شرب الخمر في نهار رمضان فجلده مائة سوط فقال: ثمانون حد شرب الخمر في غير رمضان وعشرون ردع له عن انتهاك حرمة الشهر.
فلذلك لا بد من الحذر والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى إبطال الصيام، ومثل ذلك ما يحصل أيضا من كثير من الناس من رفض نية الصوم، وكثير من الناس لا يفرقون بين نية الرفض ورفض النية، وبينهما فرق كبير، فرفض النية أن ينوي الإنسان أنه خارج من الصوم وأنه قد رفضه وهي مبطلة للصوم، أما نية الرفض فهي أن ينوي أنه سيرفض في المستقبل، فإذن رفض النية هي أن ينوي الآن أنه خرج من الصيام، أما نية الرفض فهي أن ينوي أنه سيخرج من الصيام، فنية الرفض لا تبطل ما لم يرفض، والرفض هو المبطل.
وكذلك من الأخطاء التي يقع فيها الصائمون وهي دون هذا مما ينقص الأجر تأخير بعضهم للفطر حتى تشتبك النجوم أو حتى يقع الإظلام وهو من البدع المضلة، وقد حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لن تزال أمتي بخير ما لم يعجلوا السحور ويؤخروا الفطر، وقد بين أن ذلك هو من مضاهاة اليهود، فاليهود هم الذين يؤخرون الإفطار حتى تشتبك النجوم، ويضاهيهم بعض الفرق المبتدعة من هذه الأمة، فبعض الروافض لا يفطرون حتى تشتبك النجوم، وهو مذهبهم، وكذلك من الأخطاء التي يقع فيها الصائمون أيضا عدم حفظ اللسان في الصوم فإن كثيرا من الناس يطلق الكلام على عواهنه في صيامه، فيتكلم بسخط الله وهو في عبادة ينبغي أن يحترمها، وأن يقدرها، ويظن أن صيامه ليس حاجزا يحول بينه وبين الوقوع في معصية اللسان، بل إن كثيرا من الناس تسوء أخلاقهم في الصيام، فعندما يحس بالحاجة إلى الطعام أو إلى الشراب أو إلى الشاي يتأثر خلقه فيسوء ويخاطب الناس بالكلام البذيء، وبالأخص في معاملته مع العمال والموظفين لديه، فيسوء خلقه معهم ومع أهل بيته، وهذا كله من الأخطاء التي يقع فيها الصائمون وهي تنقص الأجر وفيها ضرر عظيم، فالرجل يتكلم بالكلمة الواحدة من سخط الله لا يلقي لها
(يُتْبَعُ)