فهرس الكتاب

الصفحة 7875 من 20085

الإسلام فيهم، هو الذي قال القرآن في أهله: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ

وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ (الزخرف: 9) ومثل هذه الآية آيات.

كانوا يعتقدون - كما يعتقد أكثر البشر - أن مبدع الكون وخالقه واحد، ولكنه لمَّا

كان غيبًا مطلقًا، جعلوا وِجْهَتَهُم في عبادته بعضَ مظاهر قدرته الباهرة من خلقه،

من جماد وحيوان وإنسان، وزعموا أن تلك المظاهر هي الواسطة بين الله وبين

عباده في نفعهم وضرهم، ويعلل علماؤهم ذلك؛ بأن عامة الناس من الخطاة

والمذنبين لا يليق بخستهم أن يخاطبوا الجناب الإلهي الرفيع بحاجهم، فلا جرم

كانوا في حاجة إلى واسطة بينهم وبينه، كما هو الشأن عند عظماء الملوك

والسلاطين، وهذا وإن كان في ظاهره تعظيمًا لله تعالى - فقد عدَّه القرآن شركًا،

وذكر شبهة ذويه في معرض التشنيع والإنكار، حيث قال: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ

بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ

أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (الزمر: 2 - 3) ، وقال: وَيَعْبُدُونَ مِن

دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ

بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(يونس:

فانظر كيف لم يعتدّ بأن اتخاذهم شفعاء نافٍ لكونهم معبودين لهم، وكيف

صرح بأن دعوى الشفاعة افتئات على الله تعالى؛ حيث لم يكن بإعلام منه، وقال

فيمن كان يعتقد هذه الوساطة والشفاعة من أهل الكتاب: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ

وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ

إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة: 31) ومعلوم أن أهل الكتاب لم تقُل

فرقة منهم بأن رؤساءهم أرباب حقيقة، يشاركون الله تعالى في الإيجاد والإعدام كما

هو معروف من تاريخهم، وإنما هو اعتقاد الشفاعة والوساطة بين الله والناس في

مصالحهم [1] .

الواسطة الصحيحة بين الله وبين عباده هم الأنبياء، ووساطتهم إنما هي في

التعليم والإرشاد، لا في الخلق والإيجاد، وقد بيَّن الله في ذلك آيات كثيرة جاءت

بصيغة الحصر؛ لتكون نصًّا قاطعًا لأعناق الأباطيل، منها قوله تعالى: وَمَا

نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ (الأنعام: 48) ، وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ

إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (الإسراء: 105) ، وقوله: {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ} (الشورى: 48) وقد نفى عن النبي الأعظم السيطرة والوكالة على الناس، بقوله:

{لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} (الغاشية: 22) ، {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} (الأنعام:

107)، ونفى عنه الهداية بمعنى الإيصال إلى الخير بالفعل، بقوله:

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} (البقرة: 272) ، وقوله:

{إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} (القصص: 56) ، بخلاف

الهداية بمعنى الدلالة بالتعليم؛ فقد قال فيها:

{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52) [2] ، وأمره أن يتنصَّل من

دعوى النفع والضر بقوله تعالى: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ

اللَّهُ (يونس: 49) [3] ، بل أمره أن يتبرأ مع ذلك من امتلاك الرشد لهم بقوله:

] قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَراًّ وَلاَ رَشَدًا [4] * قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ

أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [5 {* إِلاَّ بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ} (الجن: 21 - 23) ، أي

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت