فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لا أملك إلا البلاغ من الله تعالى فلم يبقَ إلا أنه كما قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ (الكهف: 110) .. إلخ.
هذا كله نقطة من بحر توحيد القرآن، ومع ذلك كله كان من أمر المسلمين
نحو ما قاله المؤرخ المحقق دوزي الهولندي، فيما كتبه في الإسلام، حيث قال - ما
مثاله:(إن محمدًا - عليه السلام - بذل كل فصاحته، وجميع عنايته في اجتثاث
جذور الوثنية، ومحو أساطيرها من لوح الوجود، وظل يجاهدها عشرين سنة،
حتى ظفر بها، واستبدل بها التوحيد الخالص، ولكن النوع البشري لما رسخ فيه
من جذور الوثنية بالوراثة المتمكِّنة في الأحقاب الطويلة، لم يكن مستعدًا للثبات على
هذه العقيدة، عقيدة التوحيد؛ ولذلك لم يمضِ على أتباع محمد أكثر من قرن واحد،
حتى ثابت إليهم الوثنية السابقة بأنواعها، ولكن بأسماء وألوان أخرى)ومَن عرف
الإسلام والمسلمين يعرف صحة قول دوزي هذا، دعْ عنك ذكرى الذين قالوا بألوهية
الإمام علي - كرَّم الله وجهه - في العصر الأول، فقد كان صوتهم ضعيفًا،
وضلالهم معروفًا، وارمِ بنظرك إلى فرق الباطنية الذين كانوا سُلاًّ في رئة الأمة،
لم تنجُ من كروب ميكروبه طائفة منها، خلقوا الأحاديث، وحرَّفوا كلم القرآن عن
مواضعه، وسرت فتنتهم إلى الطائفة المعتدلة من المسلمين باسم التصوف، فآل
الأمر إلى أن فشا في أهل السنة الغلو في شيوخ الصوفية كغلو الباطنية في أئمتهم
وخلفائهم، وهو اعتقاد أن لهم تصرفًا في الكون وراء الأسباب الظاهرة.
فالجاهلون يعتقدون أن هذا لهم بأنفسهم، ولا يتفكرون بالوساطة وما في معناها
من التأويلات، حتى إننا نشاهد عامتهم تتحامى الحلف كذبًا بالشيوخ المعتقدين، لا
سيما عند أضرحتهم، ويحلفون بالله كذبًا، وهم يعلمون.
ويشاركهم في هذا التعظيم والاعتقاد، كثير من اللابسين لباسَ العلماء،
ولكنهم يؤولون لهم ولأنفسهم بأن المحظور في الدين إنما هو الاعتقاد بالاستقلال،
وهم إنما يعتقدون أنهم واسطة بين الله والناس، ولكن إذا سألتهم: ما معنى هذه
الواسطة؟ وما هو الدليل عليها؟ وكيف لم يصرح بها القرآن، وهي في هذه
المكانة من الأهمية؟ والله يقول: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (الأنعام: 38)
وكيف يمكن تأويل النصوص الكثيرة التي تنفيها - إذا سُئلوا عن هذا يرتكسون
بين أمواج الحيرة، يدفعهم ريب، ويتلقاهم شك إلى أبد الأبيد.
يا سبحان الله! إن الله تعالى وصف مشركي الجاهلية بأنهم عند شدة الضيق
يدعون الله تعالى وحده، مخلصين لا متوسطين، فقال: وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ
كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (لقمان: 32) ، ولكنَّا نرى المُتَّسمين بِسَمة الإسلام ينادون عند
أشد الضيق: يا باز يا سيد يا رفاعي يا متولي، وما أشبه هذه الأسماء التي ما أنزل
الله بدعوتها من سلطان، أليس من العجيب أن يقال: إن الدين لا يؤخذ من كتبه؟!
فتترك نواهي القرآن البليغة الصريحة عن الشرك الظاهر والباطن، ويحكم على
الإسلام بقول هؤلاء الغوغاء الذين يزعمون أن المتصرفين في الكون أربعة:
الجيلي والرفاعي والبدوي والدسوقي. إذا كان لله سبحانه وكلاء من الأموات
يدبرون الكون، فلماذا لم يكن منهم إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة
والسلام؟! تعالى الله عن ذلك كله علوًّا كبيرًا!
وقد طال بنا الشرح فلنمسك عِنان القلم؛ فقد حصحص الحق، وظهر أن
انحراف الكثير من الناس عن هدي الإسلام من سوء الفهم، وإن سوء الفهم ليس
لصعوبة أحكامه وبُعدها من الأفهام، وإنما هو لأمراض اجتماعية طرأت على الأمة؛
فحالت دون انتفاعها بدينها، كما حالت دون الانتفاع الكامل بعقولها وحواسها.
ولما كان الإسلام دين الفطرة بشهادة القرآن، فإننا نرجو - كما يرجو عقلاء
العلماء من المسلمين - أن يكون ظهور قوانين الفطرة ونواميسها من أعظم المنبهات
إلى فهم الإسلام على حقيقته، ولسنا نقول بهذا إنه بين جميع نواميس الطبيعة،
ولكن نقول: إنه بين ما يحتاج إليه الناس لسعادتهم في دينهم ودنياهم، وسنبيّن هذا
في مقالة أخرى إن شاء الله تعالى.
(1) ليس غرضنا في هذا الكلام الرد على هذه الفرقة من أهل الكتاب، وإنما هو بيان ما هو تعليم القرآن في هذه العقيدة.
(2) المعنيان للهداية معروفان في اللغة، وفي الغالب يتعدى اللفظ بالمعنى الأول بنفسه، وبالمعنى الثاني بإلى.
(3) قوله تعالى: [إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ] (يونس: 49) هذه الكلمة جاءت في القرآن بمعنى التأبيد، كقوله تعالى: [خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ] (هود: 107) ، وقوله: [سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ] (الأعلى: 6 - 7) .
(4) في الآية احتباك، أي، لاأملك لكم ضرًا ولا نفعًا ولا رشدًا ولا غواية، فحذف من كل منهما ما أثبت مقابله في الأخرى.
(5) ملتحدًا: أي ملتجَأً ألتجئ إليه.
(يُتْبَعُ)