فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 20085

لذلك كان الواجب على هؤلاء الدعاة أن يكون خطابهم لأمة الإسلام هو الإعداد ضد ما يكيد له هؤلاء الكفار والمشركين لحماية أنفسهم من جانب الأعداء وإظهار عدم الرضا بعين الغضب والسخط عليهم لسبهم وشتمهم الأنبياء والاستهزاء والسخرية بالدين والإعتداء على بلاد المسلمين.

وهذه الدعوة للتعايش السلمي مع الغرب الذي عادى المسلمين وسب نبينا الكريم يشخص الانهزامية التي يعيشها البعض من هؤلاء الدعاة في ظل المحاباة التي يتوددون لهم بها، فبدلا من اشتداد غضبهم عليهم وتمعر وجههم، ومخاطبتهم بشدة وعنفوان على فعلتهم تلك ذهب البعض منهم لبلادهم وكأنه طالب الغفران.

أعود فأقول:

إن استدلال البعض من الدعاة بحياة التعايش السلمي مع الآخرين في زمن النبوة ينقصه حسن الفهم مما ينشأ عنه سوء الاستدلال لأن الكلام في الفروع مبني على معرفة الأصول

فلا ينبغي أبدا قياس حالت العزة والتمكين واستعلاء المسلمين ونفوذهم في ذلك الوقت مع حالة الضعف والانكسار والهزيمة والخنوع التي يتمرغ بها المسلمون اليوم.

والدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كانت لها تلك القدرة التي جعلتها تنصف جميع أصناف المجتمع سواء كان مسلما أو يهوديا أو نصرانيا.

والأمر الآخر الذي ينبغي أن يفهمه دعاة التعايش أن الخطاب ينبغي أن يكون موجها أولا لأصحاب القدرة والتمكين لأن الشعوب ليس بقدرتها إنفاذ الأحكام على الآخرين ليتم من خلاله ضبط أصول ذلك التعايش لأن الشعوب خاضعة لأحكام من يسوسها فلو أن دولة ما كان بينها وبين أخرى عداء وحروب فهل تقدر الشعوب على عدم الخضوع لذلك النفوذ أم أنها تابعة لساساتها.

ومن ثم يكون الخطاب بالتعايش السلمي مع الآخرين في حالة تمكن تلك الدولة الإسلامية للفرد في حسن التعايش مع الآخرين الذين يشاركونهم في الحياة وفي الوطن الواحد ضمن ضوابط الشرع والتي منها حسن الجوار كما وصى بذلك الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والأمانة معهم بالبيع والشراء وجواز الأكل والشرب ونكاح نسائهم وجواز زيارتهم وحسن معاملتهم وكل هذا على أن لا يكون فيه شيء من التنازل أو الاعتداء منهم على حق من حقوق الإسلام والمسلمين،

بل إن حسن التعامل معهم وإنصافهم يكون في حالة عدم التمكين لدولة الإسلام والمسلمين إذا عرف من هذا المرء الغير مسلم عدم العداء للإسلام والمسلمين.

ولننظر إلى هذه القصة من حسن معاملة المسلمين في غير دولة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لغير المسلمين في أيام التتار من عهد ابن تيمية رحمه الله.

يقول رحمه الله في رسالته إلى سرجوان:

وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى فأطلقهم غازان، وقطلوشاه، فسمح بإطلاق المسلمين، قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس، فهؤلاء لا يطلقون، فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا؛ فإنا نفتكهم، ولا ندع أسيرا، لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة.

وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا، والجزاء على الله.

أقول:

لا ينبغي أبدا على الداعية المسلم الذي يمتلك حسن الفهم ومعرفة أصول الشرع أن يستدل بهذه القصة ومثيلاتها على حالة التعايش السلمي بيننا وبين الغرب بإطلاق دون تقييد.

والسبب في ذلك:

أن هذه القصة في جانب واحد من جوانب التعايش مع غير المسلمين وهو وجودهم تحت حكم دولة الإسلام أو بين المسلمين مع ائتمان جانبهم ضد المسلمين، والتعايش المطلوب والمنادى به من هؤلاء الدعاة إنما هو أعم من هذا التخصيص وهو تعايش عام مع كل بلاد الكفر والإلحاد الذين اعتدوا على الحرمات وانتقصوا من الأنبياء كما حصل أخيرا من الدانمارك ومن سار في فلكها.

فهذه القصة وأمثالها يصلح الخطاب بها للمسلمين في حسن التعامل مع من يعيش معهم من غير ديانتهم كما هو الآن حاصل في بلاد المسلمين ما التزموا بضوابط الشرع ولم يعتدوا على أحد منا أو على ديننا.

قال تعالى:

**لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (سورة الممتحنة

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت