عدم إدراكهم أو فهمهم لأصل الدين وعلاقة الآية به ولذلك عزلوها عنه، وأصل الدين كما سبق أن بيَّناه في كلام القسطلاني: (هو الإيمان الذي هو أول ما يجب على المكلف وبه تقبل وتصح الأعمال، ومعناه التصديق الذي هو ليس نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر فقط، بل لابد فيه من إذعان لحكم المخبر وقبوله، بحيث يقع عليه اسم التسليم كما صرَّح به الغزالي. والإسلام لغة الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام وذلك حقيقة التصديق قال تعالى:(فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) سورة الذاريات آيتان 35/ 36.
فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فهما يتحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح) إهـ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أصل الدين في"الصارم المسلول صـ457"وفي"إقتضاء الصراط المستقيم":(الثاني أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط، أما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر. وكلام الله خبرٌ وأمرٌ، فالخبر يستوجب التصديق للمخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام لله. إلى أن يقول: فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالًا في القلب بحسب المصدَّق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمن ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا.
فالكفر أعم من التكذيب يكون: تكذيبًا وجهلًا، ويكون استكبارًا وظلمًا. ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالًا وهو الجهل. ألا تري أن نفرًا من اليهود جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا نشهدُ أنَّك نبيٌّ ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق. ألا تري أن من صدَّق الرسولَ بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان: وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله. فإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، وأشهد أن محمدًا رسول الله تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله. فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار، فلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين ـ وهو الذي يتلقي الرسالة بالقبول ـ ظنَّ مَنْ ظنَّ أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه وهو الانقياد)إهـ.
ويقول في أقتضاء الصراط المستقيم"451": (والشهادة بأن محمدًا رسول الله تتضمن: تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر. إلى أن يقول: وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرَّمه، فلا حرام إلا ما حرَّم الله ورسوله ولا دين إلا ما شرَّعه اللهُ ورسولُهُ. ولهذا ذمَّ المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرَّموا ما لم يحرِّمه اللهُ، ولكونهم شرَّعوا دينًا لم يأذن به اللهُ كما في قوله تعالى:"وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا"إلى آخر السورة.
وما ذكر الله في صدر سورة الأعراف وكذلك قوله تعالى:"أم لهم شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله". إلى أن يقول: كما قال عزوجل:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون"وكان من شركهم أنهم أحلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرَّموا عليهم الحلال فأطاعوهم وقد قال تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
(يُتْبَعُ)