فهرس الكتاب

الصفحة 8189 من 20085

فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرَّمه اللهُ ورسولُه ولا يدينون دينَ الحقِّ، والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر، وأطاعوه فيما أمر ونهي وحلَّل وحرَّم فحرموا ما حرَّم اللهُ ورسوله ودانوا دين الحقِّ. إلى أن يقول: ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص مأخوذ من قوله تعالى:"ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل".

فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا «لا إله إلا الله» فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك واللهُ لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى:"إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين".. إلى أن يقول: فاليهود موصوفون بالكبر، والنصارى موصوفون بالشرك قال الله تعالى في نعت اليهود:"أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم".

وقال في النصارى:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون". إلى أن يقول: ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدًا وإن تنوعت شرائعه قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنَّا معاشر الأنبياء ديننا واحدٌ» و «الأنبياء أخوة لعلات» فدينهم واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت. وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث اللهُ به محمدًا صلى الله عليه وسلم هو دين واحد مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة ويحرم استقبال الصخرة، فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته. ولهذا شرع اللهُ لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع لنا الجمعة، فكان الاجتماع يوم السبت واجبًا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة وحرم الاجتماع يوم السبت، فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد النسخ لم يكن مسلمًا» انتهى بتصرف يسير.

فالأمر كما سبق أن قلنا أنه لا يسع أحدٌ الخروج عن شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين المنسوخ أو المبدل أو إلى الشريعة المنسوخة أو المبدلة، فلا يسع أحدٌ الخروج عن الكعبة إلى الصخرة ولا عن الجمعة إلى السبت فيما يعبد به الله عزَّ وجلّ، ولا يسع أحدٌ الخروج عن قطع يد السارق إلى عقوبة أخرى أو عن رجم الزاني المحصن إلى الجلد والتحميم أو إلى اعتبار الزنا ليس جريمة إلا إذا كان إغواءً لقاصر أو اغتصابًا أو إتجارًا ـ دعارة ـ أو خيانة زوجية ووراء ذلك يكون مباحًا لا جريمة فيه ولا عقوبة عليه فمن خرج عن هذا إلى هذا كفر. والخروج الأول فردي فيما يعبد به الله وهو عيني، والخروج الآخر جماعي فيما يقيم القسط بين الناس. وكلا الأمرين خروج كما فعل اليهود عندما قالوا تعالوا نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا فاجتمعوا على الجلد والتحميم، فمن خوطب بذلك ممن لهم الأمر والنهي عليه فقبل ذلك منهم وتابع عليه ورضى به فهو منهم وإن لم يحضر اتفاقهم، ومن دخل في اتفاقهم فهو منهم من باب أولي. ومن خوطب بذلك فكرهه ولم يرضه وإن خضع له بحكم استضعافه ـ لتعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ـ فهو لم يقبل شرعًا غير شرع الله ولم يطع أحدًا في تحليل ما حرَّم الله وتحريم ما أحلَّه اللهُ عزَّ وجلّ فهو على إيمانه. والأمر هنا ليس فيه معصية زنا أو أي نوع من أنواع المعصية الأخرى وإنما نفس التشريع هو نفس الممنوع كبديل عن شرع الله، ونفس القبول للبديل هو الممنوع وإن لم يتضمن أمرًا لمعصية معينة حتى يقال أن فعل المعصية ينقسم. والخروج عن الشريعة في الفعل العيني أو في الفرض العيني راجع إلى فعل الإنسان فيما يقدر عليه، والخروج عن الشريعة في الفرض الكفائي راجع إلى قبول الإنسان من الغير هذا الخروج، وإقامة النظام الذي يحققه. فشرع غير الله عزَّ وجل يضع للناس أحكامًا وتكاليف يخرجهم بها عن شرع الله وتكاليفه، فمن قبل فقد كفر ومن خضع مكرهًا

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت