على الوقت الإضطراري في الصلاة فهو قياسٌ مع الفارق؛ لأنَّك أنت تستدل على جواز التقديم قبل الوقت أي قبل دخول وقت الرمي الذي دلَّ عليه قول الصحابي:"كنَّا نتحيَّن"كما سبق بيانه، ولايخفى بطلان هذا الإستدلال؛ علمًا بأنَّ كلَّ يومٍ من أيام التشريق الرمي فيه عبادة مستقلة تبدأ من بعد الزوال، وقضاءه في اليوم الثاني يعدُّ قضاءًا، ومن أخَّر الرمي إلى اليوم الثالث عشر لعجزه عن الزحام في اليومين قبله فإنَّه يكون في حقِّه رمي اليومين الحادي عشر والثاني عشر قضاءًا، ورمي الثالث عشر أداءً، ولاشكَّ أنَّه إن أخَّر ذلك مع القدرة عليه يعدُّ ملومًا، وعلى هذا فلايجوز الإستدلال بهذا على الرمي قبل دخول وقته.
4 -قول الشيخ عبد الله المنيع حفظه الله:"الترخيص للرعاة والسُّقاة في تقديم رميهم أو تأخيره مبعثه رفع الحرج، ودفع المشقة، والأخذ بالتيسير ... الخ"
وأقول ما ذكره الشيخ عفا الله عنَّا وعنه من أنَّ مبعث الترخيص للرعاة والسقاة هو دفعٌ للحرج والمشقة؛ فهذا صحيح؛ لكن كونه أذن لهم في تقديم رمي يومٍ قبل أن يجب؛ هذا القول غير صحيح كما قد بيَّنَّا ذلك فيما سبق، وعلى هذا فالترخيص تيسيرٌ لكنَّه مبنيٌّ على أنَّه لايرمي ذلك اليوم إلاَّ بعد الزوال؛ أمَّا قبل الزوال فقد بيَّنَّا أنَّه لايجوز لقول ابن عمر: (( كنَّا نتحيَّن، فإذا زالت الشمس رمينا ) )وقول ابن عمر في رواية الموطأ عن نافعٍ أنَّ ابن عمر رضي الله عنه قال: (( لاتُرمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس ) )وقول عبد الله بن عباس في رواية الترمذي: (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس ) )هذه الأدلة الواضحة تدل على أنَّ رمي كلَّ يومٍ لايجوز قبل زواله؛ سواءً كان لليوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر، فبطل استدلال الشيخ عبد الله المنيع هدانا الله وإياه على جواز التقديم قبل الزوال.
5 -قوله:"الخلاف في حكم الرمي في الليل أقوى من الخلاف في الحكم قبل الزوال"اعترافٌ من الشيخ عبد الله بأنَّ الخلاف في ابتداء وقت الرمي للضرورة، وإن كان ضعيفًا؛ لكنَّه أقوى من الخلاف في الرمي قبل الزوال؛ ولذلك صدر من هيئة كبار العلماء بجواز الرمي في الليل إلى طلوع الفجر، وذلك لرفع الحرج، ودفع المشقة، والأخذ بالتيسير.
وقوله:"مع أنَّ القول بعدم جواز الرمي في الليل قول جمهور أهل العلم؛ ولكنَّ الفتوى تتغيَّر بتغيُّر الأحوال والظروف"
وأقول إنَّ الفتوى لاتتغيَّر بتغيُّر الأحوال والظروف إلاَّ إذا كان لها ما يسندها، فقول هيئة كبار العلماء بجواز الرمي إلى طلوع الفجر أملته الضرورة، ولاتمل الضرورة جواز الرمي قبل مجيء وقته؛ بل كلُّ أمور الدنيا تكون خاضعةً للدين، فمن قال: أنَّه على عجل لأنَّ حجزه في مساء اليوم الثاني عشر؛ نقول له يجب أن يتأخر حجزك، وإذا لم يمكنك الرمي في هذا اليوم، فلابدَّ أن تبقى هذه الليلة لتعود إلى بلدك بحجٍّ صحيحٍ وأنت قد أنفقت الأموال، وتجشمت المصاعب، فإنَّه يجب عليك أن تخضع الظروف الدنيوية للدين، ولايجوز لك أن تخلَّ بالدين بأن ترمي قبل الزوال من أجل الأمور الدنيوية.
6 -قال الشيخ عبد الله المنيع:"لانظنُّ وجود منازعٍ ينازع في أنَّ رمي الجمار، وفي عصرنا الحاضر فيه من المشقة، وتعريض النَّفس للهلاك ما الله به عليم، ولايخفى أنَّ الإضطرار يبيح للمسلم تناول المحرم، ودفع هلاك النَّفس غير باغٍ ولاعاد، فالإحتجاج على الجواز بالاضطرار متَّجهٌ؛ بل أنَّ الحاجة الملحة قد تكون سببًا لجواز الممنوع"اهـ
وأقول: يا شيخ لقد عالجت هيئة كبار العلماء هذه الضرورة بتمديد وقت الرمي إلى طلوع الفجر من اليوم الثالث عشر، وهذا علاجٌ حاسمٌ، ولم يبق إلاَّ الاستعجال لبعض الناس، ومن العلاج ما عملته الدولة السعودية حفظها الله وأيَّدها من توسعة المرمى، وتهيئته ليكون فيه التسهيل على الحجاج، فلاداعي أن نبيح الرمي قبل الزوال، فما قبل الزوال ليس وقتًا للرمي كمَّا بيَّنَّا بالأدلة على ذلك من أقوال الصحابة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة والإقتداء، ولايجوز أن نشرع شيئًا لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(يُتْبَعُ)