فصحفنا اليوم -مثلًا- بات من المعتاد أن ترى فيها نقدًا للسلفية أو الوهابية أو الصحوة، أو هجومًا على داعيةٍ أو عالمٍ سني، فكل هذا ينظر له على أنه نقدٌ بناء يهدف للتصحيح؛ فالتراث ليس معصومًا، ولا أحد فوق النقد الحر، لكن أي حديث عن المعتقد الشيعي ورموزه، فإنه يفسر مباشرةً بأنه (طائفية مقيتة) !!
وقد رأينا في قصة الشيخ القرضاوي كيف حرصت جريدة الرياض على نشر الاعتذار العلني البارز بعد نشرها تصريحات الشيخ التي نقلتها وسائل الإعلام في كل مكانٍ، ولم تعتذر عن نشرها سوى صحيفة محلية سعودية!!
وأعجب من هذا أن قسمًا متخصصًا مثل (قسم العقيدة) بجامعة الإمام محمد بن سعود بات من العسير أن يسجل فيه بحث علمي يتعلق بالمعتقد الشيعي، مع أن مثل هذا الموضوع يمكن أن يطرح في أي جامعة عالمية.
ولو كان هذا الموقف ناشئًا من توجيه رسمي أو قرار سياسي لهان الأمر، لكنه في كثير من الأحيان يكون ناتجًا عن تلك القناعة التي تسربت لبعض العقول، حين صار البحث العقدي يعني دعوةً للطائفية والاحتراب الداخلي.
والعجيب أن أصحاب هذه القناعة من أهل السنة يشتكون (سرًّا) من تمدد المذهب الشيعي مع تهافت بنيانه الفكري، لكن لا يسألون أنفسهم عن سبب هذا التمدد والانتشار.
ولو راجعوا أنفسهم فسوف يدركون أن سر ذلك يرجع لذلك الموقف المتخاذل الذي نجح الشيعة في إقناعهم به.
فالشيعة حين أقنعوا الرموز السنية بتحاشي البحث والنقد العقدي، فإنهم بذلك نجحوا في نزع وتنحية أمضى سلاح يملكه أهل السنة (سلاح الحجة والبرهان والفطرة والعقل) ، فصار رموز أهل السنة يتحاشون الحديث عن (التشيع) ، ويتشاغلون عوضًا عن ذلك بالحديث عن الوحدة واحترام المعتقدات (الانحرافات) الشيعية، في حين ينشط الشيعة على الأرض بمالهم وسياستهم في تشييع المناطق السنية.
وفي غفلة من أهل السنة، تم في العقدين الماضيين ابتلاع أربع عواصم سنية (بغداد، بيروت، دمشق، جزر القمر) ، والعاصمة الرابعة في الطريق وهي (المنامة) في البحرين، والتي لم يبق أمام الشيعة وابتلاعها سوى أن يتحركوا، ولولا تعجل (الحوثي) في ثورته باليمن، لتحقق له تشييع صنعاء أيضًا، وكلما أحكم الشيعة قبضتهم على بلدٍ أو تمكنوا من اختراق منطقة سنية، استفاق نخبها ومثقفوها على واقعهم بعد فوات الأوان.
في ضوء هذا كله يمكن فهم موقف الشيخ القرضاوي، فهو من الشخصيات التي طالما تم تخديرها من قبل الشيعة منذ زمن، وقد أجهد نفسه كثيرًا في الكتابة والحديث والتعلق بسراب التقارب والتحذير من الطائفية.
لأجل هذا تعجَّب الناس من تصريحاته الأخيرة التي لا تتفق مع منهجه المعروف، وتساءل كثيرٌ منهم: ما الذي طرأ، وما الذي أصاب داعية التقارب؟
الجديد -يا أبا أسامة- هو أن النار وصلت إلى: (مصر) .
وإذا كان المال اليوم هو الداعم الرئيس لنشر التشيع، فإن المال في مصر يصنع ما يعجز عن صنعه في أي بلد آخر، فالعقول والأقلام التي لم تحركها عنتريات نصر الله، حركتها الأموال الإيرانية المتدفقة.
والشيخ القرضاوي -غفر الله له- استشعر هذا الخطر، حين زار مصر بعد حرب اليهود الأخيرة على لبنان، فرأى هناك ما صعقه من مظاهر رفضٍ لم يعهدها في مصر، حيث وصل الحال لدرجة شتم عائشة وعمر بن الخطاب في الصحافة المصرية وفي عناوين بارزة، وكانت سيارات الأجرة في الشوارع تحمل ملصقات لحزب الله، وصورًا لحسن نصر الله.
حينذاك تكلم الشيخ القرضاوي لإحدى الصحف المصرية معبرًا عن معارضته لنشر التشيع في مصر السنية، بحجة أن ذلك سيؤدي لانقسام المجتمع المصري. وقد علق على كلامه آنذاك المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله، لكن كان تعليقه هادئًا ودبلوماسيًّا، ومرت تصريحات الشيخ القرضاوي بهدوء ونسيها الناس، وعاد الشيعة لنشاطهم.
ثم بعد قرابة السنتين، وقبل بضعة أسابيع أجرت صحيفة مصرية مقابلة مع الشيخ، فكرر كلامه الأول، وانتقد نشاط الشيعة في مصر. وقد كان بالإمكان نسيان هذا التصريح ودفنه كما دفن التصريح الأول، لكن الخطأ هنا جاء من الشيعة، حين خرجوا عن إستراتيجيتهم (وتقيتهم) ومنهجهم المعروف في امتصاص مثل هذه المواقف، فجاء ردهم هذه المرة عنيفًا ومستفزًّا.
(يُتْبَعُ)