بدأت وكالة (مهر) الإيرانية للأنباء، فهاجمت الشيخ ورمته بالعمالة للصهيونية والماسونية, وأن الوهابية اشتروا ذمته، ثم جاء تصريح آخر شديد من فضل الله، وثالث من التسخيري، وهنا تحولت المسألة عند القرضاوي إلى قضية شخصية، حين وجد نفسه مضطرًّا للدفاع عن نفسه، فأصدر بيانه المعروف، ثم تتابعت بعض المقالات في تأييده، وأخرى في معارضته.
وأيا كان دافع القرضاوي، فإن تأييده في موقفه فرض متعين على أهل السنة، وبخاصةٍ من أولئك الذين يشاركونه في القناعات الحالمة، من مدمني (هيروين) التقارب و (بنج) تأجيل الخلافات، وقد اتصلتُ ببعضهم وطلبت منه مناصرة الشيخ، لكن لم أر ولم أكن أتوقع أن أرى لهم شيئًا، فالتعرض للشيعة مركبٌ صعبٌ بالنسبة للشخصيات الهاوية للموضات الفكرية العصرية، والحريصة على صورتها الإعلامية التي يجب أن تكون صورةً (متسامحة) بعيدة عن الجدل (الطائفي) الذي لا يليق بالمجددين ودعاة الانفتاح.
على أن موقف القرضاوي -وإن كان قويًّا من جهة ثقل الشيخ الإعلامي- إلا أنه ضعيف من جهة الحجة والبرهان؛ ذلك لأنه سبق أن أسقط سلاحه الأمضى حين التزم منذ زمن تجنب الجدل العقدي مع الشيعة.
فحجته التي يرفعها الآن هي: (لماذا ينشر الشيعة مذهبهم في مصر وهي بيئة سنية صرفة، قد يؤدي نشر التشيع فيها إلى انقسام المجتمع المصري) .
وقد قرأت له تصريحًا في كلمةٍ ألقاها بمؤتمر حوار المذاهب الإسلامية المنعقد بالدوحة مطلع (2007م) ، فكان مما قاله:"لا يجوز أن يحاول مذهب نشر مذهبه في البلاد الخالصة للمذهب الآخر".
وكما ترى -أيها الفاضل- فهذا كلامٌ غريبٌ وحجةٌ ضعيفةٌ؛ فإذا كان الشيخ القرضاوي يتحاشى الجدل المذهبي، ويكره التشاغل بالرد على الشيعة، فإن الشيعي سوف يبقى معتقدًا أن دينه حق وصواب وأنه هو الدين الحق، فبأي برهان أو حجة يمنعه القرضاوي من نشر دينه ومذهبه بطريقة سلمية؟! فليتشيع من يتشيع، وليتسنن من يتسنن، وليتعايش الجميع في (تبات ونبات ويخلفوا صبيان وبنات) ، فهذا هو المنهج الذي طالما رسمه الشيخ يوسف للأمة، فما باله اليوم يخالفه؟!
ثم إن مقتضى كلام الشيخ القرضاوي أنه لا يجوز لأحد الدعوة للسنة في إيران!!
وأن من مصلحة إيران أن تبقى شيعية رافضيةً!
وحسب هذا المنطق فإن بقاء أهل السنة هناك على مذهبهم خطر يهدد وحدة إيران!
وأن من الخير لإيران أن يتشيع من بقي فيها على المذهب السني!
ومن يحاول نشر السنة هناك، فهو داعيةٌ للفتنة والانقسام!!
فهل هذا كلامٌ مقبول؟
وبأي شيء سيجيب الشيخ -عافاه الله- لو حدثه الشيعة بهذا المنطق؟
هذا الموقف الضعيف الذي وقفه القرضاوي سببه ما شرحته في بداية كلامي، وهو (أن القرضاوي ألقى سلاحه الأمضى والأقوى: سلاح الحجة و البرهان) . فهو فيما مضى كان يكره أن يقول: مذهب أهل السنة هو دين الإسلام، والتشيع مذهب منحرف يجب على أهله البحث عن الحق، هو لا يريد الحديث بهذه اللغة (القديمة!) ، ولا يريد أن يشغل نفسه بإقامة الحجج والبراهين في إبطال المذهب الشيعي، لأن هذا (جدل مذهبي لا فائدة منه!) .
والآن حين ابتدأ بنقد الشيعة، رأيناه يتحدث عن مناطق نفوذ، فهو يريد أن يبقى الشيعة شيعة، والسنة سنة، من غير أن ينشط أحد من مناطق نفوذ الآخر، (وهذا مسلك لن يوافق عليه لا الشيعة ولا السنة) .
لأجل هذا جاءت ردود الشيعة عليه منطقية متفقة مع الأصل الذي اشترك معهم في بنائه؛ ففضل الله يقول له: ما الذي يزعجك في أن يتشيع سني، أو يتسنن شيعي، وهم كلهم مسلمون؟! وهل هناك حجر على أحد أن يختار المذهب الذي يقتنع به؟
هنا عاد القرضاوي مضطرًّا للغة (القديمة!) ، وأكد أن التشيع مذهب مبتَدَع،
لكن طلابه وأصحابه الذين رباهم على تحاشي هذه اللغة (العتيقة!) بادروا بانتقاده، ووصفوا تصريحاته بأنها تؤجج الطائفية.
ومن يدري فقد نسمع من بعض أولئك الطلاب -بعد عقود أخرى من الاستغفال- هجومًا على الشيعة، لكن بعد فوات الأوان، وقد نرى حينها من طلابهم من يرد عليهم ويصف كلامهم بالطائفية والتعصب .... ويا ليل ما أطولك ...
ـ [إمام الأندلس] ــــــــ [08 - Oct-2008, مساء 09:49] ـ
جزاك الله خيرا .. مقال جيد ..
ـ [أمين بن محمد] ــــــــ [08 - Oct-2008, مساء 10:14] ـ
شكرا لك ... بارك الله فيك ...
مقال جد جد جد رائع. و تحليل و لا أروع.
ـ [عبدالله سمير] ــــــــ [08 - Oct-2008, مساء 10:42] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك أخي الكريم .. والله ِ ما رأيت أفضل من هذا التفصيل والتمحيص في هذا المقال الثري الدسم بالمعلومات الدقيقة
والله المستعان
ـ [ابن شهاب الزهري] ــــــــ [09 - Oct-2008, صباحًا 01:13] ـ
بارك الله فيك أخي؛
مقال جبد، وطرح رائع،وأسلوب مِؤدب
موفق أخي
ـ [شريف شلبي] ــــــــ [09 - Oct-2008, صباحًا 11:10] ـ
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
تحليل جيد
ولكن هل يجيز ذلك تخاذل الكثير من العلماء السلفيين عن نصرة الشيخ القرضاوي في معركته مع الشيعة وتركه غرضًا لسبهم وتطاولهم!!؟؟
(يُتْبَعُ)