يقول أحدهم في بعض رسائله: ( ... بالنسبة للاعتبار الرابع: وهو القول بأن تكفير المشركين ليس من معاني كلمة التوحيد(لا إله إلا الله) حيث أن معناه: لا معبود بحق إلا الله وهذا المعنى - في زعمهم لا يشتمل على تكفير المشركين أو البراءة منهم ويرون أن تكفير المشركين هم من لوازمها فهو أمر خارج عنها ويقولون في ذلك: (فليس من المعاني اللغوية أو الشرعية لـ(لا إله إلا الله) - التي هي أصل الدين - تكفير المشركين، فمعناها كما قال العلماء: لا معبود بحق إلا الله، ثم يكون تكفير المشركين لازم من لوازمها وليس من معناها، فهذا اللازم لا يلزم إلا بعد إقامة الحجة) ثم يصل بهم الضلال والإضلال فيقولون: (فعلى من قال أن تكفير المشركين من أصل الدين أن يأتي بالحجة على ما يقول، وإلا فهو صاحب هوى وبدعة.)
والجواب عن هذا لتحريف والمسلك المشين فالجواب من وجوه:
الأول: أن شهادة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) وكما ذكر أهل العلم أنها تتضمن النفي والإثبات لمن قالها بحقها وأن هذا النفي يعبر عنه بـ (لا إله) أي نفي الشركة والشريك عن الله تبارك وتعالى والمتضمن نفي المشركين أيضًا حيث هم صانعي الشرك وعاملوه، فما من شرك إلا من صناعة مشرك وما من كفر إلا من صناعة كافر فيقول المولى تبارك وتعالى في هذا: (أتعبدون ما تنحتون) الصافات: 95.
ويقول: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) النجم: 23.
ثم الإثبات في شهادة التوحيد في القول (إلا الله) .
حيث إثبات العبادة كلها لله وحده بعدما خالفنا كل ما عبد من دونه وبعد البراءة من الشرك وأهله وصانعيه وعابديه.
هذا من جانب ومن جانب آخر:
ثانيًا: أن الآيات الكثيرة في تفسير كلمة التوحيد هذه والتي تعلم البشرية ما كان عليه صاحب الملة الحنيفية ومن معه من الأنبياء والمرسلين ومن اتبعهم بإحسان والتي قال المولى تبارك وتعالى فيها:
(ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) البقرة:130.
وقال فيها:
(فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا) آل عمران: 95.
فسرها المولى تبارك وتعالى في سورة الممتحنة بقوله:
(قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) الممتحنة: 4.
فقد جعل المولى تبارك وتعالى فيما كان عليه إبراهيم عليه السلام هو الأسوة الحسنة أي الطريق الذي ينبغي أن يتبعه كل من أراد أن يكون على ملة إبراهيم وهو الأمر نفسه الذي كان عليه محمدًا عليه الصلاة والسلام والذي بعث بملة إبراهيم ولذا كان قوله تعالى:
(قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون) وقوله تعالى (قل هو الله أحد) وهما سورتا الإخلاص.
وكما هو ظاهر من الآيات اشتمالها على البراءة من المشركين وبنفس الوضوح والقوة والدلالة في وجوب البراءة من الشرك لا فرق بينهم بل إن هذا الإلزام والقضاء في بيان ملة إبراهيم ووجوب اتباعها قد تكرر كثيرًا في القرآن العظيم وكما ورد في كثير من المواضع كقوله تعالى في سورة الشعراء:
(قال افرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) الشعراء:75/ 77.
وقوله: (قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) الأنبياء:54.
والآيات تدل في سهولة ويسر على وجوب البراءة من الشرك وأهله وأن البراءة من المشركين كالبراءة من الشرك تمامًا وأنهما معًا على إثبات الوحدانية لله تبارك وتعالى هو أصل هذا الدين العظيم.
ولو تتبعنا الآيات المثبتة لذلك لطال النقل ولكن عليك بالقرآن الكريم تقرأه بقلب سليم وإلا (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) النور: 40.
هذا وقد قال أهل العلم في بيان هذا المعنى الذي نص عليه القرآن الكريم في دقة وإحكام ووضوح قالوا كلامًا مفيدًا أحببنا أن ننقله للإستئناس به وإلا فالقرآن وحده قد كفانا والله مولانا.
فمن ذلك ما قاله الشيخ حمد بن عتيق: (وها هنا نكتة بديعة في قوله تعالى:(إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله) الممتحنة 4.
(يُتْبَعُ)