فهرس الكتاب

الصفحة 8870 من 20085

لذلك رأيت أنّ أبا محمد السنجقي لم يسعه سوى التهرب من الإجابة عندما طرحنا عليه هذه المسألة .. لأنه فطن إلى أنها ستنقض أساس مذهبه.

ثم يقول بعض من وقعوا في ما حذّروا منه أن هذا لا ينطبق على من انتسب إلى قوم عُرف عنهم الذبح لغير الله .. قالوا ذلك حتى يخرجوا من مأزق التناقض الذي وقعوا فيه.

فيقال: إن كان أحد التصورات أعذر فاعل الشرك بالجهل حتى يعلم أن فعله عبادة لا يجوز صرفها إلا لله .. فإنه يمكن له أن يعذر به طوائف أخرى تنتسب إلى الإسلام ولا ترى عبادة غير الله، ولا تقصد بهذا الذبح إلا إكرام الوليّ المقبور مثلًا .. كحال الذين يُزيّنون القبور بالزيت والشموع والسرج ..

وقد لا يعلم هؤلاء أن الذبح لا يجوز إلا لله .. بل وقد لا يعلمون أنه عبادة أصلًا .. ويظنون - لفرط جهلهم - أن الله شرعه حتى يأكلوا منه .. وليس غير .. فمتى نبّهوا وبُيّن لهم أنه عبادة، امتنعوا عنه وتابوا إلى الله ..

هذا تصوّر آخر ..

وفي تصوّر آخر يرى البعض أن هؤلاء أقيمت عليهم الحجة .. والبعض الآخر يرى أن الحجة قائمة - في هذه الأمور - بالفهم وليس فقط بالبيان .. كحال تلامذة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذين لم يفرّقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة ..

فخلاصة القول في هذه المسألة هو:

-إن من التصورات ما يخرج الشرك الأكبر إلى الشرك الأصغر .. كحال مسألة دعاء المقبور ليدعو الله تعالى .. وكحال لبس الصليب (على أقوال بعض فقهاء الشافعية) .

-ومن التصورات ما يخرج الفاعل من كونه مشركًا مع أنه مقارف لفعل الشرك .. كحال مسألتنا هذه.

-ومن التصورات ما تضيف موانع جديدة في التكفير، تخرج فاعل الشرك من كونه مشركًا .. كمن جعل السُّكر أو شدة الغضب من موانع التكفير في سبّ الله تعالى .. أو قول الشرك .. بل حتى فعله (في حالة السكر) .. أو من نسب إلى الإكراه أحوالًا أخرى.

-ومن التصورات ما تكون قاصرة، يقصد بها العالم طرفًا من الحق، ويغيب عنه طرفه الآخر .. كما قال ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 12/ 180 - 181] :

فَـ"التَّكْفِيرُ"يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الشَّخْصِ. فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ وَلَا مُبْتَدَعٍ وَلَا جَاهِلٍ وَلَا ضَالٍّ يَكُونُ كَافِرًا؛ بَلْ وَلَا فَاسِقًا، بَلْ وَلَا عَاصِيًا، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ"مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ". وَقَدْ غَلِطَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَئِمَّةِ الطَّوَائِفِ الْمَعْرُوفِينَ عِنْدَ النَّاسِ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَغَالِبُهُمْ يَقْصِدُ وَجْهًا مِنْ الْحَقِّ فَيَتَّبِعُهُ، وَيَعْزُبُ عَنْهُ وَجْهٌ آخَرُ لَا يُحَقِّقُهُ، فَيَبْقَى عَارِفًا بِبَعْضِ الْحَقِّ جَاهِلًا بِبَعْضِهِ؛ بَلْ مُنْكِرًا لَهُ

وكل هذا، وهم لا يعذرون إلا من كان الأصل فيهم ظاهرًا التوحيد (أي: ينتسبون إلى الإسلام وينطقون بالشهادتين ويدّعون متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -) .. فتلبسوا ببعض مظاهر الشرك.

مع أنهم يقولون: من تحققت فيه الشروط، وانتفت فيه الموانع، فهو كافر عينًا ..

فهم ليسوا من الذين يقولون: الفعل كفر ولكن الفاعل لا يكفر بحال، وأمره إلى الله!!!

فالتكفير - كما ذكرت سابقًا - من الأحكام القضائية، التي يلزم منها علم بفقه الواقع وتصوّره .. كما قيل: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ويلزم منها علم بشروط التكفير وموانعه ..

وكل هذه العلوم من علوم القضاء، التي لا يُطالب بها الجهال كي يدخلوا الإسلام ..

مع إعادة التنبيه على أننا نتكلم عمّن ينتسب إلى الإسلام، أي الأصل فيه ظاهرًا هو التوحيد، حتى يظهر خلاف ذلك.

ولا نتكلم عمّن انتفت جميع الأعذار بحقه، عند الجاهل والعالم .. كمن هو صراحة على غير دين الإسلام ..

هذا، والله أعلم.

ـ [أبو شعيب] ــــــــ [16 - Oct-2008, صباحًا 07:51] ـ

محل النزاع في هذه المسألة هو هل الشرك يعرف قبحه قبل الرسالة أولا

فهذا الذي ذبح لغير الله عند السلف يعرف قبح فعله هذا قبل الرسالة فيسمى مشركًا و إنما لا يعذب حتى تبلغه الرسالة

أما عند الأشاعرة فلا يسمى مشركًا لأنه لا يعرف قبح الشرك قبل الرسالة

أما المعتزلة فيقولون يعرف قبح الشرك عقلًا و يعذب قبل الرسالة

يقول هؤلاء العلماء أن أصل الشرك (عبادة غير الله تعالى) هو ما يُعرف بالفطرة .. أما مظاهره، والتي حددتها الشريعة، فهي لا تُعرف إلا بالرسالة.

فقد يفعل الشرك وهو ينوي به أمرًا صالحًا في ذاته (كحال الذابح لغير الله الذي ذكرته في أصل الموضوع) ..

فمثل هذا الجاهل الذي يعتقد بوحدانية الله تعالى وتنزيهه عن الشريك، ولا يرى في أي من عباد الله أي خاصية من خصائص الألوهية أو الربوبية .. فقصد بفعله هذا معنى صالحًا في ذاته .. أو حتى معنى فاسدًا ليس بعبادة .. فهذا، عند هؤلاء العلماء، معذور ..

فعند هؤلاء، أصل الشرك (عبادة غير الله) هو المعروف بطلانه بالفطرة .. أما مظاهره فلا تُعرف إلا بالحجة الرسالية .. اللهم إلا إن عنى بهذا المظهر فعل أصل الشرك .. فهذا له شأن آخر.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت