فهرس الكتاب

الصفحة 9058 من 20085

فلا شك أن العلم فضله عظيم، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9] لا يستويان أبدًا؛ حتى في الحيوان لا يستوي المعلَّم وغير المعلَّم، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعل الكلاب نجسة، ومعروف أنه إذا ولغ الكلب في إناء أحدنا فإنه يغسله سبعًا إحداهن بالتراب، وما ذلك إلا لنجاسته؛ لكن هذا الحكم وهو النجاسة في لعابه وريقه إذا كان غير معلم، أما لو كان معلَّمًا كان كما قال الله تبارك وتعالى: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4] .

والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصل ذلك لعدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه لما سأله، ففرق له بين ما إذا أرسل كلبه المعلم، وبين ما إذا أرسل كلبه غير المعلم -سبحان الله العظيم!

إذا كان العلم وهو العلم الصحيح النافع يحول الحيوان النجس إلى حيوان تؤكل فريسته التي يصطادها، فبدلًا من أن نغسله سبعًا أولاهن بالتراب, فإننا نأكله هنيئًا مريئًا، ونشكر الله الذي علمنا والذي سخر لنا هذا الحيوان.

فما بالكم بالعلم! كيف يغير في ابن آدم الذي هو أكرم ما خلق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70] أكرم ما خلق الله هو هذا الإنسان, وكرمه وشرفه بالعلم.

وأكرم من في بني آدم هم العلماء، لأن الأنبياء هم أفضل الخلق وهم أعلم الناس بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا العلم أشرف العلوم جميعًا، ثم من بعدهم كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث أبي الدرداء {ألا وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم} ، فالعلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة} فكل ما يتركه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعده من آنية أو سلاح أو أرض أو متاع فهو صدقة لا يورث، ما الذي ورّث؟ {وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر} .

لهذا فإن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه لما رأى الناس فتحت وتوسعت عليهم الدنيا، ورأى الانكماش في طلب العلم ذهب يصيح: [[أيها الناس! ميراث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقسم في المسجد] ].

ففرحوا لمحبتهم لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كل واحد ترك بضاعته وشغله، وجاءوا يجرون, وكلٌ يريد أن يأخذ مما تبقى من أشيائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن كانت آنية أو أي شيء من سلاحه ولو من شعره، فهذا مما يتبرك به.

جاءوا وجلسوا وإذا به يقول: [[حدثني خليلي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. , فقالوا: أين الميراث يا أبا هريرة؟! قال: هذا الميراث، ما ورث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا هذا العلم .. وهذا الهدى .. وهذا النور، ونحن إليه أحوج من كل ميراث] ].

وكما ذكر ابن القيم -رحمه الله- أنه قد يعيش الناس بلا أطباء، ويتداووا بما يسر الله لهم من أعشاب أو مما تعارفوا عليه، والمهم أن يكون حلالًا، لكن هل يمكن أن يعيش الناس وتستقر وتهنأ وترغد حياتهم بلا علم أو بلا علماء؟!

لا يمكن؛ ولهذا بين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما في الحديث الذي ذكره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن العلم قال: {إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا يأخذه من صدور العلماء، ولكن ينزعه بموت العلماء، فإذا مات العلماء اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا} .

ففي آخر الزمان حيث لا يذكر فيه الله، ولا يقال: لا إله إلا الله لقلة العلماء، ليس فيهم عالم يفقههم ويبين لهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت