فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
? ولو قال يهودي أو نصراني: أشهد أن لا إله الله وأتبرأ من اليهودية أو النصرانية، لا يحكم بإسلامه لأنهم لا يمتنعون عن كلمة التوحيد، والتبرؤ من اليهودية والنصرانية لا يكون دليل الدخول في دين الإسلام، لاحتمال أنه تبرأ من ذلك ودخل في دين آخر سوى دين الإسلام، فلا يصلح التبرئ دليل الإيمان مع الاحتمال، ولو أقر مع ذلك فقال: دخلت في دين الإسلام أو في دين محمد ?، حكم بالإسلام لزوال الاحتمال بهذه القرينة، والله سبحانه وتعالى أعلم).) بدائع الصنائع ج 9 (.
-ويقول الإمام محمد حسن الشيباني صاحب أبى حنيفة - رحمهما الله: في باب الإسلام ص 153/ 155: ? ذكر عن الحسن ? قال: قال رسول الله ?: (( أُمرت أن أقاتل(الناس) حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله )).. قال: فكان رسول الله ? يقاتل عبدة الأوثان، وهم قوم لا يوحدون الله، فمن قال منهم: لا إله إلا الله كان ذلك دليلًا على إسلامه. (والحاصل أنه يحكم بإسلامه إذا أقر بخلاف ما كان معلوما من اعتقاده، لأنه لا طريق إلى الوقوف على حقيقة الاعتقاد لنا، فنستدل بما نسمع من إقراره على اعتقاده, فإذا أقر بخلاف ما هو معلوم من اعتقاده استدللنا على أنه بدّل اعتقاده) .
وعبدة الأوثان كانوا يقرون بالله تعالى, قال الله تعالى: ? ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله?، ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية, قال الله تعالى: ? إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ?، وقال فيما أخبر عنهم: ? أجعل الآلهة إلهًا واحدا إن هذا لشيء عُجاب ? .. فمن قال منهم:"لا إله إلا الله"فقد أقر بما هو مخالف لاعتقاده، فلهذا جعل ذلك دليل إيمانهم، فقال: (( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا"لا إله إلا الله") ). وعلى هذا المانوية وكل من يدعي إلهين؛ إذا قال واحد منهم:"لا إله إلا الله"، فذلك دليل إسلامه.
فأما اليهود والنصارى فهم يقولون:"لا إله إلا الله"، فلا تكون هذه الكلمة دليل إسلامهم .. وهم في عهد رسول الله ? كانوا لا يقرون برسالته، فكان دليل الإسلام في حقهم الإقرار بأن محمدا رسول الله ? , على ما روى عنه أنه دخل على جاره اليهودي يعوده، فقال: (("أشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله"، فنظر الرجل إلى أبيه فقال له: أجب أبا القاسم، فشهد بذلك ومات، فقال ?:"الحمد لله الذي أعتق بي نسمة من النار"ثم قال لأصحابه لووا أخاكم ) )..
فأما اليهود ببلاد العراق فإنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ?، ولكنهم يزعمون أنه رسول إلى العرب لا إلى بنى إسرائيل، ويتمسكون بظاهر قوله تعالى: ?هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ?، فمن يقر منهم بأن محمدًا رسول الله ? لا يكون مسلمًا حتى يتبرأ من دينه مع ذلك، أو يقر بأنه دخل في الإسلام، حتى إذا قال اليهودي أو النصراني: أنا مسلم أو أسلمت، لا يحكم بإسلامه، لأنهم يدّعون ذلك!! فإن المسلم هو: المستسلم للحق المنقاد إليه، وهم يزعمون أن الحق ما هم عليه، فلا يكون مطلق هذا اللفظ في حقهم دليل الإسلام حتى يتبرأ من دينه مع ذلك.
ولو قال المجوسي: أسلمت أو أنا مسلم، يحكم بإسلامه، لأنهم لا يدّعون هذا الوصف لأنفسهم، ويعدونه شتيمة يشتم الواحد منهم بها ولده، فيكون ذلك دليل الإسلام في حقه. (كتاب السير الكبير- للشيبإني- بشرح الإمام محمد السرخسي / ج 1)
(فأنظر يرحمك الله كيف أن مدار قبول الشهادتين هو التبرئ من الشرك والكفر، فإن لم يحصل هذا التبرئ لم يقبل اللفظ، وأن قرائن الأحوال وما أشتهر من اعتقاد عن القوم تعتبر شرطًا أساسيا في الحكم بالإسلام. فتأمل وانتبه لهذه المسألة النافعة جيدًا هدانا الله وإياك إلى سبيل الحق والرشاد) .
ونقل الإمام الشوكاني قول الإمام البغوي - رحمهما الله -عند الكلام على حديث: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا"لا إله إلا الله") ) (قال البغوي: الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال:"لا إله إلا الله"حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع الأحكام، ويتبرأ من كل دين خالف الإسلام، وأما من كان مقرًا بالوحدانية منكرًا للنبوة فأنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول:"محمد رسول الله"?، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة، فلابد أن يقول: إلى جميع الخلق، فإن كان كفره بجحود واجب أو استباحة محرم، فيحتاج إلى أن يرجع عن اعتقاده) . (نيل الأوطارج9) .
وينقل الإمام النووي قول الإمام الخطابي رحمهم الله، في شرحه للحديث: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ) ).. (معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون:"لا إله إلا الله"ثم يقاتَلون ولا يُرفع عنهم السيف ... )
وقول القاضي عياض: (اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال:"لا إله إلا الله"تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركوا العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام وقوتل عليه .. فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله:"لا إله إلا الله"، إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده .. فلذلك جاء في الحديث الآخر:"وإني رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة") .
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (وقد أجمع العلماء على أن من قال"لا إله إلا الله"ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات) . (فتح المجيد - باب تفسير التوحيد)